إن مدح السادة بأنهم سوقة، وبأنهم يسعون بأفعالهم إلى ارتقاء منزلة الملوك يدل على أن السوقة هم أوساط الناس من الصرّحاء (1)، إذ لايعقل أنْ يُمْدَح السادة بأنّهم ينتمون إلى طبقة فيها عبيد، وأشباه عبيد يأنف السادة منهم، وهذا يعني أنّ رعيّة ملوك الجاهلية طبقتان: سوقة، وهم أوساط الناس من الصرحاء، وعبيد وأشباههم، وهم دون السوقة، ولعلّ في قول حسان بن ثابت يمدح ملكين من الغساسنة:(2)
مَلَكا مِنْ جَبَلِ الثَّلجِ إلى ... جانِبَيْ أَيْلَةَ مِنْ عَبْدٍ وحُرّ
مايوحي بذلك، فَرَعيّةُ المذكورَيْنِ طبقتان: عبيد وأحرار؛ والأحرار منهما هم السوقة.
وأمّا طبقة الملوك فتتكون من الملوك وأقربائهم في النسب الأبويّ، وقد أشار الشعراء السوقة إلى ذلك في مثل قولهم : غسان الملوك(3) وكندة الملوك(4)، ومن ذلك قول الشاعر الملك امريء القيس يرثي جماعة من قومه(5):
ألا يا عينُ بَكِّي لي شَنينا ... وَبَكّي لي الملوكَ الذاهبينا
مُلوكاً مِنْ بني حُجْرِ بن عمروٍ ... يُسَاقُونَ العَشِيَّةَ يُقْتَلُونا
(1) -افتخر عبيد بن الأبرص (ديوانه ص 103) بأنَّ قومه خير قومٍ سُوقة.
(2) -ديوان حسان ص192
(3) -انظر ديوان عبيد ص 137، وديوان النابغة ص56.
(4) -انظر الأغاني 3/7. ومدح علقمة الفحل(ديوان ص48) الحارث بن جبلة الغساني بأنه لامثل له إلا قبيله. وكان هجاء الشعراء لملوك الحيرة في بعض الأحيان هجاء لأسرهم الملكية كلهّا (انظر ديوان النابغة ص141-142). وكان لأخوة الملوك سلطة لاتقلّ عن سلطة الملوك أنفسهم، ويمكن ملاحظة ذلك ملاحظة ذلك في مدح الأعشى (شرح ديوانه ص301-304)للأسود بن المنذر أخي النعمان، وفي هجاء طرفة (ديوانه ص102) لأخي عمرو بن هند.
(5) -ديوان امريء القيس ص200. وشنينا: من الشَنّ، وهو الصَّبُّ.