تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تلك أشعار قروية، ولكنها تعبرّ عن عقلية أعرابية تنفر من بناء الحصون، وتتوق إلى الغزو والارتحال. ومن يتبع أشعار القرى يجد فيها قيماً أعرابية أصيلة متغلغلة في نفوسهم، ولا سيما ما يتصل منها بالتعصب للجماعة الأبوية كقول أبي زمعة الأسدي المكّيّ(1):

أحِبُّ قريشاً كلَّها وأَحُوطُها ... ولستُ بِسَبَّابٍ لذي الرِّحْمِ مِلْطَمِ

وإنْ حَمَّلُوني ما أُطيقُ حَمَلتهُ ... وَيَكْرُمُ فيهمْ مُسْترادِي وَ مَطْعمِي

إن استقرار المرتحليين يطوّر نمط حياتهم وقيمهم تطوراً بالحذف والإضافة، وهذا يعني أن التقارب بين الأعراب وأهالي القرى شديد، وأن ما نلحظه من مفارقات بينهما تعبير عن الإضافة التي يتخلّق بها المتطوّرون (أهالي القرى) والراغبون بالتطور من الأعراب وعن رفض لها من قبل المتمسكين بالقديم الذين يحاولون الحفاظ على نمط حياتهم وقيمهم، وبذلك تظهر جدليّة التطور من انتماء أعرابيّ قديم إلى انتماء قرويّ متطور.

***

(1) -السدوسي مؤرّج بن عمرو، 1976م، حذف من نسب قريش، تحقيق الدكاتور صلاح الدين المنجد، الطبعة الثانية، دار الكتاب الجديد، بيروت، ص 53. وثمة قيم أخرى أعرابية احتفظ بها القرويون كالكرم وحماية الجار والأنفة من الخضوع لأية سلطة خارجية، وسوف تمرّ بنا في أثناء هذه الدراسة شواهد على ذلك.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٣٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٣٢٠