تلك إشارات شعرية إلى وجود اختلاف في القيم ونمط الحياة لدى أهالي القرى، ولكن ذلك لايحجب توافقهم الشديد الناتج عن استقرارهم، وعدم اضطرارهم للانتجاع والغزو لكسب الرزق، وتأمين المكان اللازم للاستقرار المؤقت. وكان صدى ذلك واضحاً- كما أشير أنفاً- في افتقار شعر القرى إلى شعر الأطلال المشحون بحزن الأعراب على الأماكن المرتحل عنها وقلقهم، وتوقهم إلى الاستقرار الدائم، وهذا يعني أن القرى منحت المستقرين فيها، والمنتمين إليها شعوراً بالرضّا، وخلاصاً من القلق الذي يسببه الارتحال والأسف على ضياع الجهد المبذول في الأماكن المرتحل عنها.
وإذا كان بعض الأعراب قد تاقوا إلى نمط الحياة القرويّ المتحضّر فإن أهالي القرى كانوا يصدرون عن قيم أعرابية خالصة أحياناً، كافتخار قيس بن الخطيم الأوسِيّ اليثربيّ بأنّ السيوف هي معاقل قومه في قوله يصف الخزرج(1):
معاقِلُهُمْ آجامُهُم، وَ نِساؤُهُمْ ... وَ أَيْمَانُنَا بالمَشْرَفِيَّةِ مَعْقِلُ
وافتخار حسان بن ثابت الخزرجي اليثربيّ بأنّ قومه قادرون على الغزو، واستباحة مواطن الأعداء(2):
أَلَسْنَا بِحَلاَّلينَ أَرْضَ عَدُوِّنا ... تَأَرَّ قَلِيلاً،سَلْ بِنَا في القبائِلِ
وافتخار الزبير بن عبد المطلب الهاشميّ المكّيّ(3):
ولا أُقيمُ بدارٍ لا أَشُدُ بها ... صَوْتي إذا ما اعترتْني سَورَة الغَضَبِ
(1) -ديوان قيس ص137.
(2) -ديوان حسان ص166. وتَأَرَّ: تَثَبّت.
(3) -عيون الأخبار 1/292.