تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتركت التجارة أيضاً آثارها في شكل القصيدة المكّيّة التي خلت من المقدمة الطّلّلية ومن الرحلة عبر الصحراء؛ فالشاعر القرشي المكّيّ "الذي ترعرّعَ في بيئة تجاريّة انطبع تفكيره بالأساليب التي توصله إلى هدفه بأقصر الطرق وأقلّها كلفة، وأكثرها وضوحاً"(1).

ولقد أبرزت المعركة الشعرية بين مكّة ويثرب في عصر البعثة أن أهالي يثرب المزارعين كانوا يرون مهنتهم أشرف من التجارة، ومن الأشعار الموحية بذلك قول حسان بن ثابت في يوم أحد يهجو بني عبد الدار القرشيين(2):

حَسِبْتُمْ والسَّفِيهُ أخو ظُنُونٍ ... وذلكَ ليسَ مِنْ أَمْرِ الصَّوابِ

بأَنَّ لِقاءَنا إذْ حانَ يَوْمٌ ... بِمَكَّةَ بَيْعُكُمْ حُمْرَ العِيَابِ

وكذلك غمز كعب بن مالك من قناة قريش يوم الخندق؛ فقومه يملكون أراضي غنية بالمياه، صالحة للزراعة، ولا يشتغلون بالتجارة، يقول كعب(3):

أَلاَ أَبْلِغْ قريشاً أنّ سَلْعا ... وما بينَ العُريض إلى الصِّمادِ

رَوَاكِد يَزْخَرُ المُرّارُ فيها ... فَلَيْسَتْ بالجمامِ ولا الثِّمادِ

كأَنَّ الغابَ والبرديَّ فيها ... أَجَشُّ إذا تَبَقَّعَ للحصادِ

ولم نَجْعَلْ تجارتنا اشتراء الـ ... حَمِيرِ لأِرضِ دَوْسٍ أو مُرادِ

(1) -شعر قريش ص206

(2) -ديوان حسان ص372. والعياب: جمع عَيبة، وهي ما يضع فيها الرجل متاعه.

(3) -ديوان كعب بن مالك ص 192. وسَلعْ والصّماد: جبلان بالمدينة. والعُريض: وادٍ بالمدينة أيضاً. ورواكد: ثابتة. والمرُاد : النهر الذي يمرّ فيها. والجمام: وافرة المياه. والثماد: قليلة المياه. والأجشّ: العالي الصوت. وتبقّع للحصاد: صار فيه بقع بيضاء وصفراء من اليبس.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٣١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٣١٨