والقرى العر بية ليست واحدة في قيمها ونمط معيشتها؛ فقد عبر الشعراء عن نمطين من حياة أهالي القرى هما: النمط الزراعي، والنمط التجاري. أمّا الأول فنجد تعبيراً عنه في أشعار أهالي يثرب، وكذلك أهالي الطائف، الذين افتخروا بحفر الآبار، وشق السواقي وزراعة النخيل، أما الثاني فنجده في أشعار أهالي مكة الذين افتخروا بحفر الآبار اللازمة لشرب سكانها، ومن يؤمّها من الحجاج والتجار. ولكنهم أعرضوا عن ذكر الزراعة (1) لعدم صلاح الأراضي المحيطة بمكة للزراعة. وبرز اثر التجارة في إعلاء شأن القيمة المادية في الشعر المكّي(2)، ومن ذلك الافتخار بلبس الثياب الفاخرة، والتلذّذ بمتع الحياة المادية كقول عمارة بن الوليدالمخزوميّ(3):
خُلِقَ البيضُ الحسانُ لنا ... وجِيادُ الرَّيطِ والأُزُرُ
وقول الزبير بن عبد المطلب الهاشمي(4):
ولكنّا خُلِقْنا إذْ خُلِقْنا ... لنا الحِبَرَاتُ والمِسْكُ الفَتِيتُ
ولونت التجارة شعر قريش بمعانٍ جديدة كقول عبد الله الزيعرى يمدح هاشم بن عبد مناف(5):
وهو الذي سَنَّ الرحيلَ لقومهِ ... رِحَلَ الشتاءِ ورِحْلَهََ الأَصيافِ
(1) -من الملاحظ أن أهالي مكة لم يفخروا ببناء الحصون؛ فبلدهم آمن، ومحميّ بتعظيم أكثر العرب له ولأهله، ولذلك لم يرغب أهالي مكة ببناء الحصون فيها.
(2) -انظر ذلك مفصلاً في شعر قريش ص81-185
(3) -الأغاني 9/ 61. والرَّيط: جمع رَيطة، وهي كلّ ثوب لين رقيق.
(4) -ابن رشيق القيرواني،1955م، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، الطعة الثانية مطبعة السعادة، مصر 1/66. والحبرات: جمع حَبَرَة، وهي بُرْدٌ يمان.
(5) -شعر عبد الله بن الزبعرى ص 54. وينسب الشعر إلى مطرود بن كعب الخزاعي.