إنّ استيطان القرى والأرياف (1) في شبه الجزيرة العربية ارتبط بوجود المياه وبصلاحِيّة المكان للزراعة( ومن ذلك يثرب والطائف) أو للتجارة (ومن ذلك مَكّة). ولقد مَرّ بنا في أثناء الحديث عن القرار بالمكان افتخار أبناء القرى بحفر الآبار، وامتلاك مزارع النخيل والأعناب، وبذل الجهد اللازم لاستثمار تلك المزارع، كما افتخروا ببناء الحصون والآكام التي تؤوي أصحابها، وتُسهم في دفع غوائل الأعداء؛ إنهم يفخرون بجهودهم المبذولة لتطوير مواطنهم، وأكرم بذلك فخراً؛ فتلك الجهود تدعم استقرارهم وترسخ وجودهم في مواطنهم.
وفخر ابناء القرى بجهودهم في مجالات الزراعة والريّ والبناء يبرز الخلاف الكبير بينهم وبين الأعراب الذين احتقروا تلك الجهود، ونفروا من مزاولتها، وأعلنوا اعتزازهم بامتلاك الإبل، فمنها يشربون ويأكلون، وبامتلاك الخيل والسلاح، فبها يكسبون لأنفسهم، ويدافعون عنها. وكان أهالي القرى والأرياف يفاخرون الأعراب، ويسخرون منهم، كقول أوس بن حجر يهجو رجلاً من بني أسد(2)
وَعَيَّرْتَنا تَمْرَ العِراقِ وَبُرَّه ... وَزَادُك... الكَلْبِ شَوَّطَةُ الجَمْرُ
وفَضَّل حسان بن ثابت يثرب على البادية؛ فأودية يثرب ومياها وبنيانها(3):
أَحَبُّ إلى حَسّان لو يَسْتَطِيعُهُ ... مِنَ المُرِقصاتِ من غِفَارٍ وأَسْلَمِ
وإذا كان الشاعر الأعرابيّ يفخر بقوله:"إنّا وَجَدنا ابانا لاعَقَار له" فإنّ عَدِيّ بن وداع العُقُويّ الأزديّ العُمانيّ(4)
(1) -يقال لا لريفيَّ بحريّ أيضاً. انظر شرح لبيد ص 29. وذكر الريف في شرح ديوان الأعشى ص78، وديوان الحطيئة ص222.
(2) -ديوان أوس ص38.
(3) -ديوان حسان ص 341. والمرقصات: اللواتي يُرقصن إبلهنّ. والرقص: ضربٌ من العَدْو.
(4) -ثمة خبر عن الشاعر في (معجم ما استعجم 1/48) يدل على أنه من العُقاة من أزد عمان.
ولكنّ اسم أبيه ورد مُحَرَّفاً (وَقّاع).