مَنْ يَرْأَ صنعاءَ الجنودِ وَ أَهْلَها ... وَجُنُودَ حِمْيَرَ قاطِنينَ وَ حِمْيَرَا
يَعْلَمْ بِإنَ العَيشَ قُسِّمَ بَيْنَهُمْ ... حَلَبُوا الصَّفاءَ، فَأَنهلوا ما كَدَّرَا
وَيَرَى مَقَاماتٍ عَلَيْها بَهْجَةٌ ... يَأْرَجْنَ هِنْديّاً، وَ مِسْكاً أَذْفَرَا
إنّه معجب بصنعاء وبأهلها؛ فلقد اصطفوا لأنفسهم رغد العيش، فباتت على ملامحهم البهجة، وفاح من أردانهم الطيب.
إن أنفة الأعرابي الظاهرة من العيش في غير مداه الجغرافي لا تنفي رغبته الدفينة بل الصريحة أحياناً في الاقتدار على الاستقرار، والخلاص من مشاقّ الارتحال، والبحث المستمر عن الأماكن المناسبة لبقائه واستمرار وجوده الإنسانيّ، إنّ في أعماقه رغبة في حياة مستقرة، يتحرر فيها من قيود الطبيعة القاسية التي ترغمه على الارتحال. بل لقد رأى الأعراب أن سببَ الارتحالِ الإنسانُ لا المكانُ؛ فالإنسان الذي لايرتضي أن يبذل جهداً لجعل المكان مناسباً للاستقرار تستريح نفسه إلى الارتحال إلى مكان جديد يستثمره، ولا يطوره، ثم يرتحل عنه إلى غيره، وهذا ما يُفهم من قول عمرو ابن الأهتم المنقري(1):
لَعَمْرُكَ ما ضاقَتْ بلادٌ بِأهْلهِا ... ولكنَّ أَخْلاقَ الرجال تَضيق
إنه قولٌ واع، يدعو إلى تطوير المكان وإلى الاستقرار، وتجاوز مرحلة الارتحال من مكان إلى آخر. تلك هي أبرز آثار المدى الجغرافي البدويّ في عقلية سكانه وقيمهم، فكيف كانت آثار المدى الجغرافي القروي والريفي في سكانه؟
***
2- القرى
(1) -شرح اختيارات المفضل 2/610.