وإن اختلاط اعتداد الأعراب بباديتهم وحياتهم بحزنهم على المنازل التي هجروها جعل في انتمائهم إلى المكان اعتداداً وانكساراً ينتجان قَلَقاً طالما أتعب أولئك الأعراب، وأشاع في أشعارهم نغمة البكاء، وأوحى بإحساسهم بقسوة الحياة، وبرهة الشتات، وبالرغبة في الاستقرار(1)، بّلْ لقد صرح بعض الأعراب بميلهم إلى حياة أهل القرى ومنهم ساعدة بن جُؤيَّةَ الهذليّ، في قوله(2):
إنْ يَكُ بَيْتي قشْعَةً قَدْ تَخَدَّمَتْ ... وَغُصناً كأنَّ الشَّوْكَ فيهِ المَواشِمُ
فذلكَ ما كُنَّا بِسَهْلٍ وَمَرَّةً ... إذا ما رَفَعْنا شَثَّةٌ وصرائِمُ
فَفَدْ أَشْهَدُ البيتَ المُحَجَّبَ زانَهُ ... فِراشٌ وَجُذْرٌ موجَعٌ وَلَطَائِمُ
إنّه أعرابي بيوته من جلد وأغصان شائكة، ولكنه يعتدّ بأنّه كان ينزل بيوتاً مبنيةً، جُدرها غليظة، تزدان بالفراش، وينعم أصحابها بالطيب. وسياق الاعتداد في هذا الشعر يوحي بتفضيل العيش في البيوت القرويّة على العيش في الخيام الأعرابيّة. وكان يزيد بن الصَّعِق العامريّ أكثر صراحة من ساعدة في إظهار الميل إلى حياة أهل القرى؛ فقد زار يزيد صنعاء، ورأى أهلها، وما فيها من العجائب، فلمّا انصرف قيل له: كيف رأيت صنعاء، فقال(3):
(1) -اشار يوسف اليوسف إلى إيحاء شعر الوقوف على الأطلال بالرغبة في الاستقرار، ومن ذلك قوله (مقالات في الشعر الجاهلي ص157): "تحديد مكان الطلل يوحي بتشبث الشاعر بالمكان، (وبالتالي) يؤكد نزعته الاستقرارية"
(2) -شرح اشعار الهذليين 3/1184. والقشعة: قطعة النِّطْع. وتخذّمت: تَقَطّعت. وغصناً: أراد شجرة. والمواشم: الإبَر. والشّثّة: شجرة طيبة الريح، مرّة الطعم تعمل منها البيوت.
والصرائم: جمع مفرده صريمة: وهي الرملة المنصرمة من الرمال ذات الشجر. والموجح: الكثيف الغليظ. واللطائم: العير التي فيها الطيب.
(3) -أشعار العامريين الجاهليين ص59. ومسك أذفر: جَيّدٌ.