تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ماذا بعد الوقوف والمساءلة والعِيّ؟ لاشيء عدا رحيل السائل، وفي قلبه حسرة، إلى مكان آخر مأهول بالأقارب والأحباب والأصحاب(1):

فَلَمَّا رَأَيْتُ أَنَّها لاتُجيبني ... نَهَضْتُ إلى وَجْنَاءَ كالفَحَلِ جَلْعَدِ

إن نغمة الحزن تظهر في كلّ نشيد يذكر فيه الأعرابيّ دياره المرتحل عنها، إنّه يُعَبّر في وصف الأطلال عن "انحسار المدّ الحضاريّ، وهزيمة الوجود الإنساني" (2)، وعن اضطراب نفسه، وقلقها، فالارتحال من مكان إلى آخر يجعل الأعرابيّ منتمياً إلى أكثر من مكان؛ وتجعل مشاعره تجاه المكان تتراوح بين الاعتداد بالمكان الذي يقطنه، والحنين إلى الأمكنة المرتحل عنها، والبكاء عليها (3).

(1) -شعر زهير ص174. والوجناء: عظيمة الوجنات. وجلعد: شديدة صلبة.

(2) -الخليل- أحمد 1989م، ظاهرة القلق في الشعر الجاهلي، دار طلاس، دمشق، ص 126.

وانظر مقالات في الشعر الجاهلي ص 157-181.

(3) -الوقوف على الأطلال ظاهرة رئيسة في الشعر الجاهلي، وقد افرد بعض الباحثين العرب دراسات خاصة بها. ومن المفيد الإشارة ها هنا إلى أن شعر الوقوف على الأطلال ليس خاصاً بالأعراب، بل نجده في شعر أهالي بعض القرى ولاسيما يثرب. وقد لاحظ يوسف اليوسف (مقالات في الشعر الجاهلي ص184) أن طللية أصحاب المدن يسود فيها القهر الجنسي، وتكاد تهمل القحل والتهدّم الحضاري، فأصحاب المدن لايشغلهم تحطم المكان وقحط الطبيعة. وأودّ أن أضيف ها هنا أن وقوف شعراء القرى على الأطلال كان على الأغلب وقوفاً مصطنعاً، أملته ضرورات البناء الفني للقصيدة الجاهلية، وليس وقوفاً معبراً عن تجارب واقعية فرضتها طبيعة الارتحال الجماعي لقوم الشاعر من مكان إلى آخر. ويؤكد ما ذهبت إليه أن شعر قريش، وليس بين شعرائها محترفون، يخلو من شعر الوقوف على الأطلال إلاّ أبياتاً يسيرة (انظر شعر قريش ص 176-181)

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٣١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٣١٢