تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فَلَمّا عَرَفْتُ الدارَ قُلْتُ لِرَبْعِها: ... ألا عِمْ صَباحاً، أيُّها الرَّبْعُ واسلَمِ

إن (عنترة وزهيراً) يشخّصان الديار الدارسة بإسباغ صفة القدرة على الكلام والحوار عليها، وتلك من أبرز صفات الإنسان، ولاسيما الجاهلي اليذ يعتدّ بالفصاحة والبيان. ولكن المحاولات الفنيّة لبعث الإنسانية في الأطلال والرسوم تصيب الذين يودّون جعل الحلمَ حقيقيةً بالخيبة؛ فالأطلال لاتجيب، ولو كان السائل ملحاحاً كالشمّاخ في قوله(1):

وَعَرفْتُ رَسْماً دارِساً مُخْلوْلقاً ... فَوَقَفْتُ واستَنْطَقُهُ استنْطَاقَا

وحينئذٍ يفيق الأعرابي الشاعر من غفوة الحلم، ويدرك أن طول المساءلة للديار لا تغُيّر الواقع المؤلم، ولا تبعث الحياة في الجماد (2):

وَقَفْتُ بها أُسائِلُها طَويلاً ... وما فيها مُجَاوبةٌ لِداعي

الديار " فاستعجمت وسائل البشر بن عُلَيق الطائي أن تَكَلّما" ثم ساءلها ثانية" فاستعجمت أن تجيبني"(3). أرادها أن تتكلم وأن تفيض في الحديث معه فاستعجمت، ثم رضي منها بالإجابة، بالكلام القليل، فاستعجمت أيضاً.

الديار لاتتكلم، تلك حقيقة يعود الأعرابي الشاعر إلى إدراكها بعد صحوته من غفوة حلمه الشاعريّ، وحينئذ قد يعود على نفسه باللوم لأنه يحاول المستحيل؛ ومن ذلك قول السلامة(4):

وَقَفْتُ بها ما إنْ تُبينُ لِسَائِلٍ ... وهَلْ تَفْقَهُ الصُّمُّ الخوالِدُ مَنْطِقِي؟

وقول لبيد(5):

فوَقَفْتُ أَسأَلُها، وكيفَ سُؤالنا ... صُمَّاً خوالدَ ما يُبِيْنُ كَلاَمُهَا؟

(1) -ديوان الشمّاخ ص262. ومخلولقا: مستوياً بالأرض.

(2) -ديوان بشر ص 109.

(3) -قصائد جاهلية نادرة ص 187.

(4) -ديوان سلامة ص158.

(5) -شرح ديوان لبيد ص 299. والخوالد: البواقي.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٣١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٣١١