تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما كان الارتحال سمة رئيسة لحياة الأعراب، فقد كَثُر في شعرهم تصوير الارتحال، وذكر المكان المرتحل عنه. وكان حدث الارتحال مثيراً لمشاعر الحزن في نفوس الأعراب(1) ؛ فالارتحال يؤذن بتحطم بعض القلوب، وبانقطاع بعض العلاقات الإنسانية الدافئة، ومن ذلك ارتحال الحبيبة وأهلها؛ فقد اصاب طرفة بالفجيعة (2)، وراع عنترة(3)، وأصاب بشر بن أبي خازم بما لاعزاء للقلب منه(4)، وآلم عمرو بن كلثوم، فأورثه حزناً يفوق ما تشعر به ناقةٌ فقدت ولدها، أو عجوز دفنت أولادها كلهم (5). وحدث الارتحال يحزن المقيم والظاعن معاً، يقول زهير ذاكراً منازل لآل أسماء(6):

لآلِ أسماءَ إذْ هامَ الفؤادُ بها ... حِيناً، وإذ هِي لم تَظْعَنْ، ولم تَبَنِ

وإنْ كِلانا إذا حانتْ مُفَارَقَةٌ ... من الديارِ طَوَى كَشْحاً عَلَى حَزَنِ

وبارتحال الأعرابيّ عن المكان لاتنقطع صلته به انقطاعاً تاماً، فإقامته فوق ذلك المكان هي جزء من تاريخه، تختزنه ذاكرته، وتثير رؤيته بعد سنينن من الارتحال ذكريات أيامٍ خوالٍ تشعل في جوانحه نيران الشوق إلى أَنس ذلك المكان، فيسترجع بخياله تلك الأيام، ولكن الخيال يصطدم بالواقع المؤلم؛ فمكان الذكريات طَلَلٌ، وأَنَسه شذرَ مذرَ، وحينئذٍ تسمح عيون الأعراب بالدموع، ومنهم لبيد الذي يقول(7):

لِمَنْ طَلَلٌ تَضَمَّنهُ أُثَالُ ... فَسَرْحّهُ فالمَرَانَةُ فالخَيَالُ

فَنَبْعٌ فالنُّبيعُ فَذُو سُدَيرٍ ... لآِرامِ النِّعاجِ به سِخَالُ

(1) -انظر طنوس- د. وهيب، 1979-1980م، الوطن في الشعر العربي، مديرية الكتب والمطبوعات- جامعة حلب، ص 183-184.

(2) -انظر ديوان طرفة ص59.

(3) -انظر شرح ديوان عنترة ص154.

(4) -انظر ديوان بشر ص1.

(5) 0انظر ديوان عمرو بن كلثوم ص81.

(6) -شعر زهير ص 275. والكشح: الخاصرة.

(7) -شرح ديوان لبيد ص267. والسخال: جمع سخلة، وهي ولد الشاة من المعز والضأن.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٣٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٣٠٩