إنّه خيمة منصوبة في أرض فضاء تهبُ الريح في نواحيها، بابها مُشْرَع للناس، لكرم أصحابها وشجاعتهم، أعلاها أسمال برد مُحَبّر، وظهرها من البرود الأَتْحَمِيّة، وحولها الخيول مقربة، مشدودة بأطناب ذلك البيت الأعرابيّ، بيت الحرب والارتحال والكرم.
وفَخَرَ الأعرابيُّ على أهل القرى ؛ فهو يحتمي بسيفه ورمحه، ويلوذ بالخيل المقربة من الخيام؛ فحصون بني تغلب رماح عالية، وسيوف ماضية، وذلك في قول عمرو بن كلثوم
لنا حُصُونٌ مِنَ الخَطّيّ عَاليةٌ ... فيها جَداولُ من أًسيافنا البُتْرِ
فَمَنْ بَنَى مَدَاراً مِنْ خَوْفِ حادِثَةٍ ... فإنَّ أسيافنا تُغني عنِ المَدَرِ
وحصون بني أسد خيول مقربة جُرْدٌ، تعدو بالرجال في قول عبيد بن الأبرص يذكر منازل قومه(1):
مالَنا فيها حُصُونٌ غَيْرُ ما الـ ... مُقْرَبَاتِ الجُرْدِ تَرْدِي بالرّجالِ
وتجربة الأَسْعَرِ، مرثدِ بنِ أبي حمران الجُعْفيّ في الحياة اسلمته إلى أن يقول (2):
ولقد علمتُ عَلَى تَجَشُّمِيَ الرَّدَى ... أنَّ الحصونَ الخيلُ لامَدَرُ القُرَى
وقد جمع كلَّ ذلك(السيف والرمح والخيل) خالدُ بن جعفر العامريّ في قوله(3):
ولا حِزْرُ إلاّ كَلُّ أَبْيَضَ صارِمٍ ... وكلُّ رُدَيِنيٍّ وَجَرْداءَ ضامرِ
إن الأعراب، وهم يحتمون برماحهم وسيوفهم، ويلوذون بخيولهم، يستطيلون على أهالي القرى الذين يبنون الحصون ليحتموا بها من الأعداء، ولتزداد قدرتهم على الاستقرار في المكان.
(1) -ديوان عبيد. ص 118. وتردي : تعدو.
(2) -الأصمعيات ص141.
(3) - أشعار العامرين الجاهليين ص 65. وافتخر ربيعة بن مقروم الضَّبيّ بأن معاقل قومه سيوف ورماح ودروع. انظر شرح اختيارات المفضل 2/ 848-849).