ويُضاف إلى نفور الأعراب من المهن والحرف التي يمارسها أهالي القرى والأرياف (1) أنفتهم من اتخاذ البيوت والحصون المشيدة، ومن الأشعار التي تدل على ذلك قول مِسْهِر بن عمرو الذهلي الضبيّ لظالم بن غضبان السِّيديّ الضبيّ(2):
إنْ تَكُ ياظالمُ، الدّيانُ، في مَدَرٍ ... فإنَّنا مَعْشَرٌ لا نبتني الطِّينا
إنَّا وَجَدْنَا أبانا لا عَقَارَ لهُ ... إلاّ القِداحَ إذا قِظنا وشَاتينا
إنّ مُسْهراً يفخر بأعرابيته؛ فقومه لايتخذون البيوت الطينيّة، ولا يمتلكون العَقارات بل الخيول الضامرة، وبمثل ذلك افتخر الطفيل الغنويّ بامتلاك بيت أعرابيّ هذه صفته(3):
وَبَيْتٍ تَهُبُّ الريحُ في حَجَراتِهِ ... بأَرضٍ فَضَاءٍ بَابُهُ لم يُحَجَّبِ
سَماوَتُهُ أسمالُ بُرْدٍ مُحَبَّرٍ ... وصهوتُهُ مِنْ أَتْحَمِيً مُعَصَّبِ
وأطنابُهُ أَرسَانُ جُرْدٍ كَأَّنها ... صدوُر القنا من بادئٍ ومُعَقِّبِ
(1) -سيرد الحديث عن المهن والحرف في الفصل الرابع من هذه الرسالة.
(2) - معجم الشعراء ص 330. والقداح: الخيل الضامرة؛ فقد جاء في التاج." التقديح: تضمير الفرس". والديان: هو عبد المدان بن قطن الحارثي اليماني. والشاعر يعقد مشابهة بين ظالم وبين عبد المدان لأنهما من سكان القرى. انظر اللسان: (دين)، ومعجم الشعراء ص330 الحاشية رقم(1).
(3) -ديوان الطفيل ص19. وصهوته: ظهره. والأتحميّ: ضرب من البرود. والمعصب: الذي يعصب غزله ويشدّه، ثم يُصبغ وينسج. والبادئ: الذي غزا أول غزوة. والمعقّب: الذي غزا غزوة بعد غزوة. وانظر مثل ذلك الشعر في ديوان شعر حاتم ص246.
ديوان عمر بن كلثوم ص105. وبنى مدراً: بنى حصناً. ونسب البيتان إلى عمرو بن كلثوم الكناني.