إنّه يتهم قوماً بداة بأن بهم داءَ أهالي اليمن، غدراً وخيانةً، ويشبه ذلك قول النابغة الذبياني:"ولكنْ لا أمانَةَ لليماني"(1).
إن الأعرابيّ يعتقد فساد بيئة القرى والأرياف؛ فهي تسبب الأمراض للإنسان والحيوان (2)، وفيها تفسد الأخلاق، وتهتزّ القيم؛ فالذين يعيشون في القرى والأرياف يقومون بأعمال يأنف منها الأعرابي، ويعتقد أنها تورث أصحابها اللؤم، ولذلك اتهم أصحاب الحضائر وأهالي اليمن بالغدر والخيانة؛ ونفى عن نفسه وعن قومه الاشتغال بالحرف والمهن التي يألفها أهالي القرى، وقد عَبّر عن مجمل ذلك خِداش بن زهير العامرِيّ في قوله(3):
ولن أكون كَمن أَلّقى رِحَاَلَتهُ ... على الحِمارِ وخَلَّى صَهوَةَ الفَرَسِ
وقوله يفخر بقومه على بني كنانة(4):
لاقتكُمُ منهُمُ آسادُ مَلْحَمَةٍ ... لَيْسُوا بزُراعةٍ عُوجِ العراقيبِ
(1) -ديوان النابغة ص150. وانظر النقائض 1/179، والمعاني الكبير 1/523.
(2) -ندرة المياه في البادية اضطرت أهلها أحياناً إلى شرب مياه آجنة تسبب أمراضاً لانجاة منها، وبدلاً من ذمّ تلك المشارب كان الأعرابي يفخر بارتيادها والشرب منها ليدل على جلده وعلى تعصبه لنمط حياته (انظر شرح ديوان كعب ص 231-232، وشعر عمر بن شأس ص 48 وعبدة ابن الطبيب، 1971، شعر عبدة بن الطبيب، دار التربية للطباعة والنشر والتوزيع، بغداد ص.70.
(3) -أشعار العامرين الجاهلين ص37.
(4) -المصدر السابق ص25.