تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذكر بعض الشعراء من الأعراب فضلَ مراعيهم على مراعي القرى؛ ففي البوادي ينبت مارقَّ ورطبَ من البقول، وهي أنسب للإبل مِمّا ينبت في السّباخ، وذلك في قول الربيع بن زياد العبسيّ يخاطب النعمان بن المنذر، وكان خرج من الحيرة إلى بادية قومه مغاضباً له (1):

تَرْعَى الروائمُ أحرارَ البُقُولِ بها ... لامثلَ رَعيكمُ مِلْحاً وغَسويلا

وعلف خيل أهل القرى بالشعير والقَتّ يجعلها تضعف عن مجاراة خيل الأعراب التي تعلفُ الحشيش، وتُسقى اللبن(2). ومراعي البادية تسرّ أهلها؛ فهي في شِعْر لبيد (بلا وَبَأٍ، ولاوَبَالِ) (3).

وبرز لدى الجاهلين اعتقادٌ بأنَّ نهر العَبْل (نهر لمراد باليمن) لايشربُ منه أحدٌ إلاّ حُمَّ، وأضاف عمرو بن معد يكرب الغدر إلى الحمى في قوله(4):

ومَنْ يَشْرَبْ بماءِ العَبْلِ يَغْدِرْ ... على ما كان من حُمى وِرادِ

ولعلّ إضافة الغدر إلى الحمى يرجع إلى الاعتقاد بأن أهل القرى يغدرون، ويدلّ على ذلك قول العباس ابن مرداس(5):

فلا تَأمنَننْ بالعاذِ والخَلْفْ بَعْدَها ... جوارَ أُناسٍ يَبْتَنونَ الحَضَائِرا

فالأعرابيّ (العباس بن مرداس) يعتقد أن من يبني الحضائر (ينزل الأرياف ويعمل بزراعة النخيل) لا يؤتمن جواره وهذا الأعرابي يعتقد أيضاً أن أهالي اليمن، وأكثرهم أهل قرى وأرياف، كذلك فهم يغدرون ويخونون يقول العباس(6):

وفي هَوازنَ قَوْمٌ غيرَ أَنَّ بِهِمْ ... داءَ اليمانيْ، فإنْ لم يَغْدِرُوا خانوا

(1) -الأغاني 15/355. والروائم: التي ترأم أولادها، أي تعطف عليها. والغسويل: نبت ينبت في السباخ.

(2) - انظر شرح اختيارات المفضل 3/1315-1316.

(3) -انظر شرح ديوان لبيد ص 93. والوبأ: : المرض. والوبال: الداء وهو مرض يقع في الإبل.

(4) -شعر عمرو بن معد يكرب ص 98.

(5) -ديوان العباس ص 66. والعاذ والخلف: من بلاد تهامة. والحضائر: جمعٌ مفرده حَضيرة (هاهنا): موضع التّمر.

(6) -المصدر السابق ص107.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٣٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٣٠٤