تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والأعراب ينفرون من القرى، ويتحاشون نزولها، ومنهم قوم (أسيماء) الذين كرهوا في أثناء ارتحالهم دخول قرية كانت قصداً على طريقهم، فاجتنبوها، وعَدَلوا عنها(1). وتجنّب الأعراب الدخول إلى القرى يرجع إلى اعتقادهم أن بيئة القرى أو بعضها موبوءة بالأمراض التي تضرُّ بصحتهم، وتؤذي مواشيهم. ومن الشعر الدال على التخوّف من بيئة القرى قول سويد خَذّاق الشّنيّ يهجو عمرو بن هند (2):

أبى القلبُ أَنْ يأتي السَّد يَرو أَهْلَهُ ... وإنْ قيلَ: عَيْشٌ بالسَّديرِ غَريرُ

به البقُّ والحُمَّى وَ أُسْدُ خَفَّيِةٍ ... وعمروُ بنُ هِنْدٍ يَعْتدي ويَجُورُ

فلا أَنْذِرُ الحيَّ الأُولى نَزلوا به ... وإنّي لمنْ لم يأتِهِ لنذيرُ

فالسَّدير به البقّ والحمّى، وبقربه مأسَدَةُ خَفِيَّة، وذلك من أسباب ترك سويد للسّدير وإنذاره لمن لا يعرفه. ومن الظاهر أن بعض القرى الزراعية كانت مرتعاً للأوبئة التي تستوطن المستنقعات وأشباهها كخيبر، فهي موصوفة بالحُمّى، وفيها سبعة حصون ومزارع ونخل كثير (3)، ومن الشعر الدال على بيئة خيبر الموبوءة قول النابغة الجعدي (4):

ولكنَّ قومي أصبحوا مثل خَيْبَرٍ ... بها داؤها ولا تَضُرُّ الأعاديا

(1) -انظر شرح ديوان لبيد ص 26-27.

(2) -ديوان سلامة ص 240-241. ونسب الشعر إلى سلامة خطأ. والسدير: موضع معروف بالحيرة، وقيل: قصر قريب من الخورنق، معجم البلدان:( السدير) وخفيّة: مأسدة معروفة في سواد العراق.

(3) -معجم البلدان: (خيبر).

(4) -عيون الأخبارر 1/219. وداء خيبر: حمّى شديدة يرافقها صداع حاد. وانظر بعض الأخبار والأشعار الدالة على ذلك في شرح ديوان الأعشى ص 58-59، وشرح ديوان الحماسة2/ 721-722، ومعجم البلدان : (خيبر).

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٣٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٣٠٣