ولقد أفضى انتماء العرب الصرحاء ومن بحكمهم إلى المدى الجغرافي العربي إلى تنوع عقليتهم وتفكيرهم. وفيما يلي تتبع للأشعار الدالة على ذلك التنو.
3- عقلان ومديان
1- البوادي
من ينظر إلى المدى الجغرافي العربي (الجزيرة العربية بحدودها الطبيعية) يلاحظ تنوّعه ؛ ففيه صحارى وسواحل وجبال وأرياف وبوادٍ، تنشر فيها المدن والقرى. وقد أدرك الجاهلي وجود نمطين رئيسين من المدى الجغرافي الذي عاش فيه الجاهليون، هما : البوادي والقرى.
يقول حسان بن ثابت في غزوة الخندق (الأحزاب) (1):
واشْكِ الهُمُومَ إلى الإلهِ وما ترى ... من مَعْشَرٍ مَتَأَلِّبِينَ غِضَابِ
أَمُّوا بغزوهم الرسولَ وَأَلَّبُوا ... أَهْلَ القُرَى وبَوادِيِ الأَعرابِ
جيشٌ عُيَيْنَةُ وابنُ حَرْبٍ فيهمُ ... مُتَخَمِّطِينَ بِحَلبَةِ الأَحْزَابِ
فالمشركون في غزوة الأحزاب فيهم قرشيون، وهم من أهل القرى، وقائدهم أبو سفيان بن حرب وفيهم غطفانيون، وهم من أهل البوادي، وقائدهم عُيينة بن حصن الفزاري(2). وقد يطلق على أهل القرى الأمصار يقول عامر بن الطفيل(3):
وَنَعُدُّ أياماً لنا ومَآثِراً ... قِدْماً نَبُذُّ البَدْوَ والأمْصَار
والفارق الرئيس بين أهل القرى وأهل البوادي هو الفارق بين القرار والارتحال ؛ فأهل القرى يجدون كفايتهم غالباً في قراهم، وأهل البوادي يضطرون غالباً إلى تتبع المراعي. ولقد أجمل ذلك الحارث ابن ظالم المريّ الغطفاني إذ أظهر أن الفارق بين القرشيين والغطفانيين هو تتبع الكلأ. يقول الحارث يذكر قريشاً (4):
(1) -ديوان حسان ص 119-120. والمتألبون : الغضاب. والمتخمّطون: من التخمّط، وهو الهياج. جاء في ديوان كعب بن مالك ص 194:" من الأقوام من قارٍ وبادي".
(2) -انظر خروج الأحزاب إلى حرب المسلمين في سيرة ابن هشام 3/128.
(3) -ديوان عامر ص 78.
(4) -المعاني الكبير1/522. وكان الحارث ادعى أنّه قُرَشِيّ.