لقد تبين لنا أن الارتحال يضاد الاستقرار، ولكنه لايتقضه؛ فارتحال كثير من الأفراد والجماعات كان مؤقتاً وتعبيراً غير مباشر من ارتباطهم الشديد بالمواطن المرتحل عنها، ولقد أسهم الجانب السلمِيّ من الارتحال بالتواصل بين الجماعات الإنسانية المتباعدة نسباً، وباستيطان مناطق غير مأهولة أو شبه مأهولة؛ فتوفر بذلك الأساس الموضوعي لازدياد انتماء الإنسان الجاهلي إلى المكان وسكانه شمولاً (1). وعلى الرغم من المظاهر السلبية لارتحال الجمعات المقترن بالحروب والصراعات الدامية فإن ذلك الارتحال أسهم في مقاومة الوجود الأجنبي الدخيل في العراق والشام ومصر، ورفد سكان تلك البلاد بجماعات سكانية صريحة، اندمج بعضها بسكان البلاد، وحافظ بعضها الآخر على الوجود المتميز بوحدة الأصل النسبي الصريح، وبذلك تَرَسّخ الوجود العربي في تلك البلاد، ورُسمت الحدود والتخوم المميزة لذلك الوجود، واللازمة لولادة وطن عربي موحد في ظل سلطة مركزية، تقود سكان ذلك الوطن، وتسوسهم.
لقد عرفنا الخطوط الرئيسة لمظاهر الاستقرار والارتحال، ورأينا أهميتهما في التخفيف من غلواء التعصب للنسب الأبوي، وفي ولادة انتماءات جديدة، ذكرنا منها الانتماء إلى المكان بصفته مدى جغرافياً؛ فالإنسان يرتبط بمداه الجغرافي ارتباطاً عضوياً، فيتولد لديه انتماء أصيل وعميق إلى ذلك المدى يدفعه إلى تطويره بطرق مختلفة تدعم الظروف الملائمة لاستقرار السكان وتطورهم.
(1) - كانت الجماعات المرتحلة تحنّ إلى موطنها الأول؛ فبنوا إياد المقيمون بالعراق كانوا يشعرون بالحنين إلى تهامة وهذا يعني إحساسهم بالارتباط بذلك المكان وبأهله. انظر بعض الأشعار الدالّة على ذلك في دراسات في الأدب العربي ص 316-317-321، ومعجم البلدان: (عَثْرٌ)، ومعجم ما استعجم 1/ 76. وفي المقابل كان المرتحل عنهم يذكرون الراحلين بنحو ذلك. انظر بعض الأشعار الدالة على ذلك في معجم ما استعجم 1/ 20-21،39،41،48.