وكان وجود الصرحاء في بلاد الشام لايقل أهمية عن وجوهم في العراق؛ فقد ارتحلت الجماعات الصريحة إلى الشام فراراً من البطش والظلم، ورغبة في الحلول بأراضٍ خصبة، تقدم للمرتحلين سبل الحياة الرغدة؛ فالشام، في شعر عمرو بن كلثوم، أرض فيها حمىً وحَبٌ، وفيها يعيش الفقراء (1)، وأمّا الحجاز فإنه في شعر حسان بن ثابت المرتحل إلى الشام لمدح الغساسنة- رضيعُ الجوع والبؤس(2) ومن الملاحظ أن وجود الصرحاء في الشام لم يلق معارضة شديدة كالتي لقيها في العراق، بل كان الشام ملاذ القبائل الهاربة من بطش كسرى في العراق، ومنها إياد وقضاعة، ويمكن إرجاع ذلك إلى سببين الأول: أن بوادي ال شام كانت تتسع للقادمين الجدد؛ والثاني: أن الروم وجدوا في القادمين إلى الشام حلفاء لهم ضد الفرس، وأنّ الغساسنة نجحوا في تأليفهم، ولعلّ ذلك مّما يفسرّ إعراض عرب الشام عن غزو المدن والقرى الشامية فأخبارهم الجاهلية تؤيد ذلك بخلاف أخبار إخوانهم في العراق.
والأشعار الدالة على ارتحال الجماعات الصريحة إلى الشام وافرة، ومنها قول سلامة بن جندل يفخر بإجلاء ربيعة(3):
سُقْنا ربيعةَ نحو الشامِ كارهةً ... سَوْقَ البِكارِ عَلَى رَغْمٍ وتأنيبِ
وقول النابغة الجعدي في نزول قضاعة الشام (4):
وقد آنَسَتْ مِنّا قَضاعَةُ كالِئاً ... فَأَضْحَوا بِبُصْرَى يَعْصِرُونَ الصَّنَوْبَرا
(1) -انظر ديوان عمرو بن كلثوم ص 52.
(2) -انظر ديوان حسان ص 270.
(3) -ديوان سلامة ص 228. البكار : جمع مفردة البكر، وهو الفتيّ من الإبل.
(4) -شعر النابغة الجعدي ص 53. ويعصرون: يستغلون. وانظر ديوان بشر ص 291 ومعجم ما استعجم 1/ 20-21.