وَقَدْ علمتْ قَيسُ بنُ عيلانَ أنَّنا ... نَحُلُّ- إذ خافَ القبائلُ- بالثَّغْرِ
لكلّ شاعر أن يفخر باقتدار قومه على انتزاع المراعي والمواطن، وعلى الدفاع عن مواطنهم وحماية مراعيهم، ولكن الواقع غير ذلك، فالحروب سجال، وقد كثر اكتواء البداة خاصة بنيرانها، فأقاموا وارتحلوا مكرهين أذلاء تارة، ومنتصرين أعزاء أخرى، كان خير الأرض يدعو أصحابها إلى عدم الارتحال عنها، ويستدعي في الوقت ذاته، الأعداء إليها ولقد أحسن الحارث بن دوس الإياديّ بيان ذلك في قوله (1):
قومٌ إذا نَبَتَ الربيعُ لَهُمْ ... نَبتت عداوتُهُمْ مَعَ البَقْلِ
فالربيع يستدعي العداوات، إذ يقوى به الضعيف، ويتنمَّر القويّ، وتكثر المطامع، فالذين يرتحلون يتكالب عليهم الأعداء، ومن الشعر المعبر عن ذلك قول عوف بن عطية التيمي (2):
ونَرْعى مارَعَيْنا بينَ عَبْسٍ ... وَطَئيها وبينَ الحَيِّ بَكْرِ
وَكُلُّهُمُ عَدُوٌ غيرُ مُبْقٍ ... حَدِيْثٌ قَرْحُهُ يَسْعَى بِوِتْرِ
والذين يقيمون عليهم أن يصبروا على مقارعة الأعداء الطامحين إلى انتزاع مراعي المقيمين، وفي ذلك يقول عمرو بن كلثوم(3):
قِراعُ السُّيوف بالسيُّوفِ أَحَلَّنا ... بِأَرْضٍ بَرَاحٍ ذي أَرَاكٍ وذي أَثْلِ
(1) -المعاني الكبير 2/895.
(2) -شرح اختيارات المفضل 3/ 1378. وحديث قرحة: أصبناه بجراحة قريباً.
(3) -ديوان عمرو بن كلثوم ص 64.