فالجماعة القوية كلما وقع الغيث في بلد صارت إليه، وغلبت عليه أهله، ومن هؤلاء بنو تغلب ولقد وصفهم بذلك الأخنس بن شهاب التغلبي إذ قال (1)
ونحنُ أناسٌ لاحِجَازَ بِأَرْضِنا ... مع الغَيْثِ ما نُلْفَى، ومَنْ هُوَ غَاِلبُ
إنهم يأخذون من الأرض ما يريدون، ويبقى الأذلاء مقيمين في مواضع مختصة بهم، فلا يجترئون على الانتجاع بعيداً عنها (2):
أَرَى كلَّ قومٍ قَارَبُوا قَيْدَ فحْلِهمْ ... ونحنُ خَلَعْنَا قَيْدَهُ فَهْوَ سَارِبُ
الأقوياء وحدهم ينتجعون، بل يجترئون على الابتعاد عن منازلهم، وعلى انتزاع المراعي والأماكن انتزاعاً من غيرهم، فقوم دريد بن الصّمة ينتجعونَ " الأقاصِيَّ انتجاعاً" (3)، وقوم بشر دفعهم القحط إلى انتزاع مراعي نجد الخصبة من أهلها (4)، ولسان حالهم يقول (5):
نُحُلُّ مَخُوفَ كُلِّ حِمىً وثَغْرٍ ... وَمَا بَلَدٌ نَليهِ بِمُستْباحِ
ومثلهم في ذلك بنو عامر (6):
إذا نَزَلَ السَّحابُ بأرضِ قَوْمٍ ... رَعَيْنَاهُ وإنْ كانوا غِضابا
إنّ أولئك البداةَ المرتحلين يعلنون اقتدارهم على النزول بكلّ مكان مخوف للانتجاع فيه يقول عمرو بن كلثوم:" وأنّا النازلون بكلِّ ثَغْرٍ "(7)، ويقول عمرو بن شأس الأسدي " وإنّا النازلون بكلِّ ثغرٍ "(8)، ويقول خداش بن زهير(9):
(1) - شرح اختيارات المفضل 2/933. ومن هو غالب : أراد ومن هو غالب كذلك.
(2) -المصدر السابق 2/938. والسارب: السارحٍ. وانظر المعاني الكبير 1/551. وقد هجيت بعض القبائل بأنها لاتجرؤ على الانتجاع بعيداً عن بلادها. انظر ديوان عامر ص 89-90.
(3) -ديوان دريد ص 92.
(4) -ديوان بشر ص 73.
(5) -المصدر السابق ص 44.
(6) -أشعار العامريين الجاهلين ص 54. وكانت بعض القبائل لاتنتجع إلا إذا أجديت جدياً شديداً انظر معجم البلدان : (الأشافي).
(7) - ديوان عمرو بن كلثوم ص 97.
(8) - شعر عمرو بن شأس ص 64.
(9) -أشعار العامريين الجاهلين ص 35.