فلولا اقتدارُ تغلبَ على المجالدة لأقصوا عن تلك الأرض الواسعة، الغنية بالأراك والأثل. لقد كان الصراع على الأمكنة عنيفاً في الجاهلية، وجاء الإسلام والناس يقتتلون طمعاً في انتزاع الأماكن وامتلاكها، ففي أوّل الإسلام بنو جذيمة بن مالك بنني يربوع( جَوَّ الملا)، وأقاموا فيه، ثم قال شاعرهم الخَنْجَر الجَذَمِيّ (1):
وليس ليربوعًٍ وإنْ كَلِفَتْ به ... مِنَ الجَوِّ إلاّ طَعْمُ صابٍ وَحَنْظَلُ
إنّ قرار القبائل واختصاص كلٍّ بمنازل محددة من الأسباب التي أجَّجت الصراعات الدامية بين من يمتلك المكان ومن يرغب بانتزاعه، ولقد غدا من الصعب انتزاع مكان من أهله، أو ارتياد مكان غير مأهول، وصالح للحياة في قلب الجزيرة العربية، ولذلك اتجهت الأنظار نحو تخوم الجزيرة وحدودها(2)، حيث المقاومة هي الأضعف، والمراعي هي الأخصب. فما حدود جزيرة العرب؟ وماذا يراد بالتخوم التي ارتحل العرب إليه؟
***
6- تخوم الجزيرة والصراع حولها
(1) -معجم البلدان :( الجَوّ). والصاب : شجر له عصارة بالغة المرارة. وكذلك انتزع بنوبكر بن وائل في عهد الرسول (ص)، وقبل أن يسلموا الشَّيِّطين من بني تميم. ولبعض بني بكر شعر في ذلك. انظر النقائض 2/ 1020-1022، ومعجم ما استعجم 4/ 1156-1157.
(2) 0التخوم منطقة جغرافية تضم موارد طبيعية واقتصادية وبشرية، وهي مناطق انتقال بين الأقاليم الجغرافية أيضاً، وفيها تتعدد اللهجات أو اللغات، وقد يتعدد ولاء السكان أيضاً، ,أما الحدود فهي خطوط تدلّ على وضع قانوني وسياسي. انظر الدين- محمد محمود إبراهيم 1976، الجغرافيا السياسية، الطبعة الثانية، مكتبة الانجلو المصرية، ص 236-237.