لقد اتخذ ارتحال الجماعات طابعاً عنيفاً تارةً، وسلمياً أخرى ؛ فالجماعة المرتحلة قد تجد مكاناً لا أنس فيه، فتستوطنه أو ترعى فيه، وقد تصطدم بجماعات مستقرّة، فيجاور أو يحالف المرتحلُ المستقرَّ، وقد تختلط جماعات مرتحلة إذ تلتقي على ماء أو مَرعى يتسع لها كلها، وبذلك أدى الارتحال إلى التواصل بين الجماعات المتباعدة، وغدا التقارب المكاني بين الجماعات المتباعدة نسباً سبباً في وجود انتماءات جديدة، تحدّ من غلواء العصبية للنسب، وتسهم في تطور الإنسان الجاهلي (1).
ولكن الجانب العنيف من الارتحال يكاد لشدّة الخلافات والصراعات التي يثيرها أن يطغى على المظاهر الإيجابية التي يسببها الجانب السلمي منه. وقد أبرز الشعراء عنف الخلافات والصراعات التي نجمت عن ارتحال الجماعات بحثاً عن المراعي، والمواطن الصالحة للاستقرار ؛ فبنو عدي بن فزارة أنزلتهم سيوفهم ورماحهم في منازل غيرهم (2):
فكمْ من دَارِ حَيٍّ قد أَباحَتْ ... لِقوَمهمُ رماحُ بني عَدِيٍّ
فما إنْ كانَ عَنْ وُدٍّ ولكنْ ... أَباحُوها بِضُمِّ السَّمْهَرِيِّ
وبالقتال أباح خارجة بن حصن الفزاري المراعي لقومه(3):
أباحِ قِتَالُ خارِجَةَ بنِ حِصْنٍ ... لأهْلِ الحَزْنِ مُنْقَطَعَ السَّحَابِ
(1) - سنرى ذلك مفصّلاً في الفصل الرابع من هذه الرسالة. ومن مظاهر الارتحال الجماعي التي تدل على تطور الإنسان الجاهلي أن الارتحال كان منظماً؛ فالجماعة الممرتحلة كانت تقدّم السَّلف (الرواد) على الخيل لينفضوا الطريق، ويصلحوه حتى تأتي الظعن، وليبحثوا عن المكان المناسب للحلول والرعي فيه. انظر شرح اختيارات المفضل 1/539، وديوان الخنساء ص 185، وشرح ديوان الأعشى ص 119. وقد تسلك الطرق الوعرة بعد التشاور للإسراع بالوصول إلى المياه.
انظر شعر زهير ص 74-76.
(2) -ديوان الحطيئة ص 180. والسمهريّ: القنا الصلب.
(3) - المصدر السابق ص 257. ومنقطع السحاب : حيث مطر السحاب ثم انقطع.