إنّ ارتحال الجماعات المُبْعَدَة عن وطنها يفرض عليها البحث عن مكان جديد، فقد ترتاد الجماعة المرتحلة مكاناً غير مأهول، تراه صالحاً للإقامة، فستوطنه، وغالباً مايتعذّر العثور على مثل ذلك، فتصدم الجماعة المرتحلة بجماعات سكانية مستقرّة، فتضطر إلى محالفتها أو مجاورتها، وقد تضطر إلى انتزاع موطن جديد بالسيف وبترحيل سكانه عنه(1)، وبذلك تبدأ جماعة أخرى بالبحث عن موطن لها؛ فقد سارت جماعات من قضاعة حين أجلوا عن تهامة نحو البحرين، حتى وردوا هَجَر، وبها يومئذٍ قوم من النَّبط، فَأجلوهم، وقال في ذلك مالك بن زهير القُضاعي:" شرينا دارَ آنسةً بدار "(2). وأخرجت خزاعةُ- وكانت ارتحلت من اليمن خوفاً من خراب سدّ مأرب- جرهماً من مكّة، بقوة السيف إذ لم تقبل جرهم بجوار خزاعة لها، وقد أنشد مُضاض بن عمرو الجرهمي في ذلك أشعاراً تفيض بالحسرة، وألم الجلاء عن الوطن(3).
(1) -حين قارب عمرو بن عامر الأزذي مكة أرسل إلى جرهم ابنه، فقال لهم: ياقوم إنّا قد خرجنا من بلادنا (اليمن) فلم ننزل بلدة إلا أَفسَحَ أهلها لنا، وتزحزحوا عنّا، فنقيم معهم، حتى نرسل روّاداً، فيرتادوا لنا بلداً يحملنا، فافسحوا لنا في بلادكم حتى نقيم قدر ما نستريح، ونرسل روادنا إلى الشأم وإلأى الشرق، فحيثما بلغنا أنه أمثل لحقنا به، وأرجو أن يكون مقامنا معكم سيراً فأبت ذلك جرهم إباءً شديداً" فحارب عمرو جرهما، فنزلت مكانهم خزاعة (انظر الأغاني 15/14-15).
(2) - معجم ما استعجم 1/21.
(3) -انظر الأغاني 15/ 17-18.