والجدب ليس سببا وحيداً لعجز المكان عن كفاية سكانه، فقد يضيق المكان بهم حين يتكاثرون، وقد تحلّ بالمكان كارثة طبيعية تبدّد جهد السكان المبذول للإقامة فيه، فيضطر سكانه إلى الارتحال عنه، وخراب سدّ مأرب شاهد ماثل للعيان، فبسببه ارتحلت الأزد، فاستقرّت طائفة منهم بيثرب، وهم الأوس والخزرج، وأخرى بمكة، وهم خزاعة، وثالثة بعمان، وهم أزد عمان، ورابعة بالشام، وهم بنو جفنة(1). وأما الأخبار والأشعار الدالة على الارتحال بسبب تضاؤل موارد المكان لتكاثر سكانه فكثيرة، وقد حوت مقدمة (معجم مااستعجم) طائفة منها، ولاسيما المتعلقة بتفرّق أولاد معدّ بن عدنان، وبعض تلك الأخبار نَصّت على أن التكاثر كان سبباً في الارتحال، ومن ذلك أن ربيعة ومضر كانوا بتهامة وغورها "فكثروا وتضايقوا في منازلهم، فانتشرت ربيعة فيما يليهم من بلاد تهامة نجد" (2).
(1) انظر معجم البلدان :( مأرب ). ولحسان بن ثابت (ديوانه ص 386) قصيدة يؤكد فيها نزول خزاعة بمكة، ومسير الأوس والخزرج إلى المدينة وغسان إلى الشام.
(2) -معجم ما استعجم 1/ 79. وقد أقامت ربيعة في ظواهر نجد والحجاز وأطراف تهامة، ثم تفرقت ثانية بعد مقتل كليب (المصدر اتلسابق 1/85). وثمة شعر لبشر بن أبي خازم (ديوانه ص 209) وآخر لأوس بن حجر (ديوانه ص 31) في كلّ منهما إقرار بأن الكثرة أدّت إلى تفرّق القبيلة، وتعدد منازلها.