تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ج- أن تعجز موارد المكان عن كفاية الجماعة السكانية المقيمة عليه: إنّ عجز موارد المكان عن تلبية مستلزمات الحياة المادية لسكانه يدفعهم إلى البحث عن وسائل يواجهون بها، ويتغلبون عليه. ولقد كان الغزو من الوسائل الشائعة في مواجهة العجز، فقد تغادر جماعة صغيرة أو كبيرة موطنها لِتُغير، وتؤوب بالغنائم التي تدعم استقرارها في موطنها، وديوان الشعر الجاهلي حافل بالشواهد على ذلك ومنها قول عمرو بن كلثوم(1):

جَلَبْنَا الخَيْلَ مِنْ كَنَفَي أَريْكٍ ... عوَابسَ يَطَّلِعْنَ مِنَ النِّقابِ

صَبَحْناهُنَّ عَنْ عُرُضٍٍ تَمِيْماً ... وَأَتْلّفَ رَكْضُنا جَمْعَ الرِّبَابِ

فَأَفْنَيْنَا جُمُوْعَهُمُ بِثَأْجٍ ... وَكَرَّتْ بالغَنَائِمِ والنِّهابِ

لقد ارتحل عمرو بفرسانه من (أريك) إلى أن بلغوا ديار تميم والرباب، فحاربوهم، وانتبهوا أموالهم، ثم كرّوا راجعين إلى ديارهم. ومن (أريك) جلب عمرو وفرسانه الخيل إلى بني فراس وغِفار من كنانة (2)، ومن (أريك) أيضاً جلب وفرسانه الخيلَ إلى أقربائه(3):

نَؤُمُّ بها بلادَ بَني أَبِيْنا ... عَلَى ما كانَ مِنْ نَسَبٍ وَصِهرِ

فالغزو ارتحال مؤقت من غاياته دعم استقرار الغزاة في مواطنهم، ومن الملاحظ أن أصحاب القرى مثل قريش البطاح والأوس والخزرج ويهود يثرب وخيبر لم يلجأوا إلى الغزو لدعم استقرارهم بل استعانوا، وقد أشير إلى ذلك آنفا، بالزراعة والتجارة وبعض الحرف، وأما الغزو فكان سبيل الجماعات المتبدية ولعلّها لجأت إليه حين لم تجد وسيلة أخرى لاستمرار وجودها

(1) -دييوان عمرو بن كلثوم ص 40. وأريك: جبل. وكنفاه: جانباه. والنقاب: الطريق في الغلط، يكون جمعاً وواحداً. والعُرُض: الجانب.

(2) -المصدر السابق 57.

(3) -المصدر السابق ص55-56.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٢٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٢٧٣