لقد ارتحلت جذام ولكن قومهم بني خزيمة (أسد وكنانة وقريش) لم يسامحوهم؛ إنهم مقيمون بذي المجاز، ولسان حالهم يقول لجذام : إننا ندعو عليكم بما( يكسبكم إثماً، لأنّكم حَمَلتمونا على ذلك بعقوقكم، وخروجكم مِمّا لكم إلى ماليس لكم) (1)؛ فبنو خزيمة ليسوا بحاجة إلى بني جذام، ولكنهم مستاؤون لأن الجذامِيّين قطعوا صلتهم بموطنهم وأظهروا العقوق. ولكن لماذا فعلت جذام ذلك؟ ألشدّة عداوتها لبنيي خزيمة أم لأن سبل الحياة في المهجر أفضل مِمّا عليه في موطنها الأول؟.!
وقد يدعو الصراع بين الأقارب إلى إقدام بعضهم على الارتحال طلباً لحلف ينصرهم على اقاربهم، أو يمنحهم الإقامة بعيداً عن أقاربهم الأعداء، ومن ذلك طوائف من الأوس إلى مكة يستعينون على الخزرج بالتحالف مع قريش (2)، وارتحال بني عبس في أرجاء الجزيرة العربية في أثناء حرب داحس والغبراء (3)، وبحث بني عُمَيْرة الفزاريين عن حيّ يلتحقون به إذا دهمتهم تلك الحرب، ولهم يقول عنترة (4):
سَائِلْ عُمِيْرَةَ حيثُ حَلّتْ جَمْعَها ... عِنْدَ الحُروبِ بأيّ حَيِّ تَلْحَقُ
أبِحَيِّ قيسٍٍ أَمْ بِعُذْرَةَ بَعْدَما ... رُفِعَ اللواءُ لها، وبِئْسَ المَلْحَقُ
(1) -شرح اختيارات المفضل 3/1413.
(2) - انظر القصيدة رقم (15) من ديوان قيس ص 179-187.
(3) -انظر النقائض 1/98-99، وديوان النابغة ص 214.
(4) - شرح ديوان عنترة ص 106. ولمزيد من أخبار البطون التي أكرهتها الخلافات مع الأقارب على الارتحال انظر أمالي القالي 1/72-74، ومعجم مااستعجم 2/661.