إنه يستنكر نفي قومه، وإنزال بني ضبينة في منازل الجعفريين، ولقد حققت عقوبة النفي الغاية، إذ خضع الجعفرِيّون لحكم قومهم في دِيَة القتلى، ورجعوا إلى منازلهم بعد حول من ارتحالهم(1).
وإذا كان بنو جعفر قد رجعوا إلى منازلهم فإنّ جماعات أخرى ارتحلت كارتحالهم، ولكنها لم ترجع إلى منازلها مثلهم، ومنها بنو جُذام، وفي ارتحالهم يقول بشر بن أبي خازم الأسدي (2):
أَلم تَرَ أَنَّ طُولَ الدَّهْرِ يُسْلِي ... وَينس مِثْلَمَا نسيت جُذَامُ
وكانوا قَوْمَنَا فَبَغَوا عَلَيْنَا ... فَسُقْنَاهُمْ إلى البّلَدِ الشَّآمِي
وكذلك بنوهاربة بن ذبيان الذين حاربوا قبيلتهم غطفان، ثم تحوّلوا إلى الشام، وفيهم يقول بشر أيضّاً (3):
وَلَمْ نَهْلِكْ لمرَّةَ إذْ تَوَلَّوْا ... فَسَارُوا سَيْرَ هَاربةٍ فَغارُوا
فبنو مُرّة، وهم من أحلاف بني أسد قوم الشاعر، تركوا حلفاءهم، مثلما سارت هاربة عن قومها. ومن المحتمل أن يكون عنف الصراع سبباً في إيثار المرتحلين أو المرحَّلين أن يرتضوا الإقامة الدائمة في المنفى؛ فبشرٌ أظهر استمراريّة عداوة قومه لبني جذام بعد ارتحالهم في قوله يخاطبهم (4):
وإنّ مُقَامَنَا نَدْعُو عليكُمْ ... بِأَبْطَحِ ذِي المَجَازِ لَهُ أَثَامُ
(1) -انظر القصيدة رقم(42) من المصدر السابق ص 278- 286، والنقائض ص535.
(2) -ديوان بشر ص205. وفي البيت الثاني إقواء. وأمّا جذام فعنه يقول أبو عبيدة: جذام أكبر من أسد بن خزيمة وأقدم، وادعا بني أسد إياهم باطل. وقال الأخفش: جذام: ابن أسدٍ (انظر شرح اختيارات المفضل 3/ 1411). ولكن شعر بشر يوحي بأن جذام من بني خزيمة ولذا يصحّ أن يكون أخاً لأسدٍ من ابناء عمومة بني اسد (انظر البيتين 18 و19 من ديوان بشر ص 206).
(3) -ديوان بسر ص 72. وغاروا: أتو ا الغور.
(4) -المصدر السابق ص206.