لِلْفَتَى عَقْلٌ يَعِيشُ بهِ ... حَيْثُ تَهْدِي ساقَهُ قَدَمُهْ
وأن يكسب بشرف(1):
وابغ المكاسِبَ في أرضٍ مُطالبُها ... مِنْ حَيْثُ يَجْمُلُ حَتَّى يَنْفَدَ الأَجَلُ
وأن يقدم المساعدة للآخرين (2):
ساعِدْ بأرضٍ إذا كُنْتَ بِها ... ولاتَقُلْ إنَّني غَريبُ
وأن يجود بماله إذا كثر (3):
وليس الغريبُ يابنةَ القومِ نَائلاً ... عُرَى المجدِ بالنَّدَى والتَّكَرُّمِ
إن السلوك الحسن للمغترب يؤهله للاندماج في مجتمع الأجانب (الأباعد) وللسيادة أيضاً.
وبذلك يتضح لنا الوجه الآخر للارتحال الفرديّ، بل يتضح لنا جدل الارتحال الفرديّ، فقد لمسنا رغبة المرتحل في العودة إلى موطنه والاستقرار فيه، ورغبة المرتحل في الانعتاق من أسر المكان، وفي كلا الرغبتين دليل على حركة الإنسان النشطة بحثاً عن ظروف معاشية أفضل من الظروف الموجودة في موطنه وبين أهله، بل بحثاً عن انتماء متطور، يتجاوز الإطار الضيّق للانتماء إلى الجماعة الأبوية، وإلى منازلها لقد اتسع الوطن بالارتحال شمولاً، فأضحى رحباً يشمل كلّ بقعة يجد فيها المرتحل رزقاً وعيشاً كريماً وإنساناً عزيزاً، وليس وطناً صغيراً تتجمع فيه الجماعة الأبوية (القبيلة) (4):
ألم تَرَ أنَّ الأرضَ رَحْبٌ فَسِيحَةٌ ... فَهَلْ تُعجِزَنِّي بُقْعَةٌ من بِقَاعِها
والأرض ليست ملكاً لقبيلةٍ أو ملكٍ إنها أرض الله، وللناس حقّ فيها، فقد أوجدها الله لتُسْكَنَ، وليرتزق الناس من خيراتها (5):
فارْحَلْ فإنَّ بلادَ اللّهِ ما خُلِقَتْ ... إلاّ لِيُسْكَنَ مِنْها السَّهْلُ والجَبَلُ
(1) -البيت لحاتم الطائي، ديوان شعره ص 270.
(2) -البيت لعبيد بن الأبرص، ديوانه ص 14.
(3) -البيت لمعدان بن جوّاس الكندي، الوحشيات ص57.
(4) -شرح ديوان الحماسة 1/208. والبيت لإياس بن قبيصة الطائي. وانظر ديوان عروة بن الورد ص 89.
(5) -ديوان شعر حاتم ص 270.