تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن دلالة ارتحال الأفراد على الارتباط بموطنهم وبأهلهم هي أحد وجهي ذلك الارتحال، وقد أشير آنفاً إلى الوجه الآخر، وهو الرغبة في الانعتاق من أسرالوطن وأهله، ولعلّ هذه الدلالة أعمق أعمق من الأولى في بيان سَعْي الإنسان الجاهلي نحو الحياة الفضلى؛ فبحثه عن المكاسب المادية والمعنوية بعيداً عن موطنه الصغير بأساليب مختلفة- وأستثني هاهنا الغزو- من أجل تطوير إمكانيات الإقامة في ذلك الموطن- يعني إقراره بأهمية التواصل مع الآخرين، وبإمكانية توسيع المدى الجغرافي الذي يجب أن يعيش ويتطور فيه وبذلك يزداد انتماءُ المرتحل المكاني والسكاني شمولاً، محذوفاً منه مايعوق ذلك الشمول من التعصب الشديد للجماعة الأبوية، ولمنازلها. ولست معنيا هاهنا بتقصي صور الحذف والإضافة فهي مبثوثة في مواضيع كثيرة من هذه الدراسة، تتصل بارتحال الأفراد، ولكنني أودّ أن أشير إلى إقدام بعض الجاهلين على مغامرة الارتحال غيرَ آبهين بضرورة الارتباط بالأهل أو المكان المستقرّ فيه، بل باحثين عن انتماء جديد، يُحَقِّقون به قدراً أكبر من الحرية التي عاقها الإحساس بالظلم أو الحاجة المادية أو بهما معاً، وقد جمع بين الإحساسين، ورأى أنّ كلاً منهما كافٍ للارتحال رجلٌ يضرب به المثل في الحمق، وذلك في قوله (1):

إذا كنتَ في دار يُهينكَ أَهْلُها ... ولم تَكُ مكبولاً بها فَتَحَوَّلا

وإنْ كنتَ ذا مالٍ قليلٍ فلا تكنْ ... ألوفاً لِعُقْرِ البيتِ حَتَّى تَمَوَّلا

وقد عرف الجاهلي أن الإقامة بعيداً عن أهله ووطنه توجب عليه سلوكاً حسناً، فعليه أن يحكّم عقله حيث حَلّ(2):

(1) -معجم الشعراء ص482. والشاعر هو هَبَنَّقة، يزيد بن ثروان القيسي وعُقْر البيت: وسطه. وانظر مثل ذلك في ديوان أوس 83، وديوان امرئ القيس ص118، وديوان ذي الإصبع ص 94، وديوان عبيد ص 80، وديوان قيس ص153، وشرح ديوان لبيد ص131، 313.

(2) -البيت لطرفة، ديوانه ص 80.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٢٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٢٦٧