تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والغريب يَغترّ بالناس، فقد يحسب العدو صديقاً(1)، ولذا يجب أن يكون حذراً من الأجانب (2).

تلك صور من متاعب الاغتراب (3)، عرفها الجاهلي، فكان ينفر منها، ويرجو لمن يُبغضه أن يكابدها؛ فقد دعا عروة بن الورد على مطلقته بأن تصير غريبة (4)، وتَمنّى قيس بن زهير العبسيّ أن يغترب عروة(5)، ولذلك كان المغترب يشتاق أهله وموطنه، ويشعر بالأسى العميق إذا دنت منيته، وايقن أنه سيدفن بعيداً عنهما، ومن أعمق الشعر المعبّر عن ذلك قول بشر بن أبي خازم يرثي نفسه، وهو بعيد عن قومه (6):

فَمَنْ يكُ سائلاً عن بَيْتِ بِشْرٍٍ ... فإنَّ له بِجَنْبِ الرَّدْهِ بابَا

ثَوَى في مُلْحَدٍ لا بُدَّ مِنْهُ ... كَفَى بالموتِ نَأْياً واغترابَا

إنّ متاعب الاغتراب وطول الإقامة بعيداً عن الوطن والأهل مما يبعث في نفس المغترب القلق، ومشاعر الشوق والحنين، فالأعشى ينشد من تريم في اليمن(7):

طَالَ الثَّواءُ لَدَى تَريـ ... ـمَ وقَدْ نَأتْ بَكْرُ بنُ وائِلْ

ويعلن من نجران أنّه مشتاق إلى قومه (8) ومن عُمان وصل إلى أسماعنا قول سامة بن لؤي القرشِيّ(9):

بَلِّغا عامراً وكعباً رسولاً ... أنّ نفسي إليهما مشتاقهْ

(1) -انظر شعر زهير ص 24. واشتكى امرؤ القيس (ديوانه ص 69) من كثرة تغيّر أصدقائه وخيانتهم له في غربته.

(2) -انظر شرح ديوان الحماسة 1/358-359.

(3) -ثمة عودة إلى ذلك في أثناء الحديث عن الجوار والأحلاف في الفصل الرابع من هذه الدراسة.

(4) -انظر ديوان عروة ص 64.

(5) -انظر المصدر السابق ص 127.

(6) -ديوان بشر ص 26-27. والرده: موضع في بلاد قيس دفن فيه بشر. وأراد بالبيت القبر، ولما جعله بيتا استجاز أن له باباً. وانظر رثاء زيد الخيل لنفسه، وهو بعيد عن موطنه في ديوانه ص 52-53.

(7) - شرح ديوان الأعشى ص 246.

(8) -المصد السابق ص 226.

(9) - أمالي الزجاجي ص 49.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٢٦٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٢٦٣