تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وليسَ امرُؤٌ أَفْنَى الشبابَ مُجاوِراً ... سِوى حَيِّهِ إلاّ كآخَرَ هَاِلكِ

أَلاَ رُبَّ يَوْمٍ لو سَقِمْتُ لَعَادَني ... نِساءٌ كِرامٌ مِنْ حُيَيٍّ ومَالكِ

إن الاغترابْ موت إذ يفتقر الإنسان إلى الارتواء بماء موطنه، وحبّ أهله، ورعايتهم.

وإذا كان طرفة قد آلمه الافتقار إلى الرعاية فإن شعراء آخرين افتقروا إلى الحماية، فكابدوا الظلم والقهر، ومنهم الأعشى الذي الذي ارتحل كثيراً، وتعدَّدت أماكن إقامته، فرأى الإنسان(1):

مَتَى يَغترِبْ عنْ قومِهِ لايَجِدْ لَهُ ... عَلَى مَنْ لَهُ رَهْطٌ حَوالَيْهِ مُغْضَبَا

وَيُحْطَمْ بِظُلْمٍ لايزالُ يَرى لَهُ ... مَصَارعَ مَظْلُومٍٍ مَجَرّاً وَمَسْحَبَا

وَتُدْفَنُ مِنْهُ الصَّالحاتُ وإنْ يُسيءْ ... يَكُنْ ما أساءَ النارَ في رأسِ كَبْكَبا

وليس مُجِيراً إن أَتَى الحيَّ خائِفٌ ... ولا قائلاً إلاّ هو المُتَعيَّبا

إن الغريب لايجد من ينصره، يظلم كلّ يوم ظلما جديداً، إن أحسن سُتر صالح فعله، وإن أساء أُذيع سوء عمله، حقوقه منتقصة؛ فلا هو قادر على إجارة خائف، ولا هو قادر على إذاعة قول: لنافع. وقد تُستَحيلُّ حرمات الغريب فيعتدي على عرضه كاعتداء نُبيه بن الحجاج السهمي على ابنة رجل خثعمي قدم مكّة تاجراً (2)، وقد يُحجدُ ثمن تجارته، كظلم أبيّ بن خلف الجمحي في مكّة للتاجر لميس بن سعد البارقي الذي قال (3):

أيَظْلِمُني مالي أُبَيٌّ سَفَاهَةً ... وَبَغْياً ولا قومي لَدَيَّ ولا صَحْبِي

ونَادَيْتُ قومي بَارقاً لتجيبني ... وَكَمْ دونَ قَوْمِي مِنْ فَيافٍ ومِنْ سَهْبِ

(1) -شرح ديوان الأعشى ص 40. ومجراً ومسحباً: مصدران ميميان من جَرَّ وسَحَب. وكبكب: جبل. وقد ألح الأعشى على فكرة افتقار الغريب إلى الحماية بأبيات أخر ص 41-24. وانظر ديوان شعر حاتم ص 255 وشرح ديوان الحماسة 1/ 582-584.

(2) - انظر الأغاني 17/ 285-286.

(3) -المصدر السابق 17/ 299. والسَّهب : الفلاة.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٢٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٢٦٢