تلك صورة من معاناة الجاهلي حين يرتحل وحيداً أو برفقة رهط مغامرين مثله، والأشعار الدالة على ذلك كثيرة لمن يرغب بالاستقصاء(1).
إن المعاناة في ارتحال الأفراد مفخرة لأنها تظهر جلد المرتحل، وتُسهم في ازدياد جرأته، وقوّته، فيغدو فارساً قادراً على حماية جماعته، وعلى الدفاع عن مكان استقرارهم. ولقد أدرك دريد بن الصمة أهمية الارتحال في بناء شخصية أخيه إذ جعل ارتحال أخيه صنو تفاعله الشديد مع الناس. وذلك في قول دريد يرثي أخاه(2):
وتُخرِجُ مِنْهُ صَرَّةُ القومِ جُرْأَةً ... وَطُولُ السُّرى ذَرِّيَّ عَضْبٍ مُهَنَّدِ
فالشدائد تجعله جرئياً، والترحال المستمر_ّ يجعله كالسيف في رشاقته9.
وقد عانّى بعض المرتحلين الذين اضطرّتهم ظروفهم إلى الإقامة في غير موطنهم، والتعامل مع غير جماعتهم السّكانيّة، ذلَّ الاغتراب بعيداً عن رعاية الأهل وحمايتهم، ومن أولئك طرفة بن العبد الذي عَبّر عن آلامه الشديدة في الغربة لأنّه افتقد رعاية الأهل وحدبهم، في قوله(3):
(1) -انظر مثلاً ديوان امرئ القيس ص91-92،237،346، وديوان بشر ص 45،99- 105،134،203-104، وشعر خفاف ص 34-35،87،95، وديوان شعر الحادرة ص 63-64 وديوان الحطيئة ص7، وديوان دريد ص 54-55،85، وديوان طرفة ص26-27،60، وشعر عمرو شأس ص28،48،55، وديوان عمرو بن قميئة ص120،168،171 وشعر عمرو بن معد يكرب ص133-134، وشرح ديوان لبيد ص18،66- 67،114، 115،235، وديوان شعر المثقب ص 30-31، 86-101، وشعر زهير ص 208-209،233-234،281، وديوان الخنساء ص 103، وغير ذلك كثير.
(2) - ديوان دريد ص 49. والصّرّة: الشدّة. وذَرّيّ: نسبة إلى الذّرّ، شبه أخاه بسيف لفرنده وشيٌ كأثر الذّرّ.
(3) -ديوان طرفة ص 87. وحُيَيّ ومالك بطنان من قبيلته. وانظر إحساس زبد الخيل الطائي بالحاجة إلى نساء قومه كي يعدنه، وهو مريض بعيداً عن موطنه في ديوانه ص 52-53.