والارتحال الفردي عن الموطن مؤقّت في أغلب الأحيان، فطالب المال بالغزو مثل عروة بن الورد يعود إلى موطن قبيلته إذا كُتِبتْ له السلامة، وكذلك الشاعر المستجدي، والتاجر المستثمر لأمواله والمغامر الباحث عن مباهج الحياة، والراغب بلقاء أحبته وأصدقائه، كذلك المبعد عن قبيلته قد يظفر بعفوها، فيعود إلى منازلها. وأما الذين يقطعون صلتهم بمكان إقامتهم فإنهم يستبدلون به مكاناً آخر، ويرتبطون بأهله بإحدى الروابط الاجتماعية المعروفة في العصر الجاهلي كإلالصاق النسبي أو الجوار أو غير ذلك.
ويظهر في ارتحال الأفراد الارتباط بالموطن وبالجماعة التي تقطنه في مواجهة الرغبة في الانعتاق من أسرهما. ولقد أَجملَ عروة بن الورد مقولة الارتحال عن الوطن رغبة في الاستقرار فيه بقوله (1):
تقولُ سُلَيْمَى لو أَقْمَتَ لَسَرَّنا ... وَلَمْ تَدْرِِ أنّي للمُقامِِ أُطَوِّفُ
إنّه يسافر، ويغترب كي يستقرّ ويقيم، إنّه يقاوم عجز موارد المكان عن تأمين حاجاته اللازمة لاستقراره بالاغتراب بحثاً عن الرزق، يجلبه إلى موطنه، كي يستطيع المقام والاستقرار فيه. ولم يكن ارتحال عروة وأمثاله يسيراً بل مخاطرة لايُقدم عليها إلاّ قوي الساعد، ثابت الجنان، ولذلك كانت كانت النساء تتعلق بأهداب رجالهن رغبة في ثنيهم عن الارتحال؛ فقد غالب عروة دموع زوجه وارتحل (2)، وغالب الأعشى رغبة ابنته في الإقامة وارتحل(3)، وغادر قيس بن الحُداديّة أمَّه الأَسِفَ على فراقه، وقال مصوراً لحظة الوداع(4):
قالتْ وعيناها تفيضان عَبْرَةً ... بِنَفْسِيَ بَيّنْ لي مَتَى أَنْتَ رَاجِعُ
فقلتُ لها، واللهِ يدري مسافِرٌ ... إذا أَضمرَتْهُ الأرضُ ما الّلهُ صانِع
(1) - ديوان عروة ص 107.
(2) -انظر المصدر السابق ص 29،67-68،107-108،131.
(3) -انظر شرح ديوان الأعشى ص 199-200،317-318.
(4) -معجم الشعراء ص202.