إلى مَعْشَرٍ لم يُورِثِ اللُّؤمَ جَدُّهُمْ ... أصاغِرَهُمْ، وكلُّ فَحْلٍٍ لَهُ نَجْلُ
وقريب من ذلك تسلية الهموم بالارتحال، وقد كثر ذلك في الشعر الجاهلي، ومنه قول لبيد(1):
وكنتُ إذا الهمومُ تَحَضَّرَتْني ... وصْنّتْ خُلَّةٌ بَعْدَ الوصَال
صَرَمْتُ حِبَالَها، وَصَدَدْتُ عَنْها ... بناجِيَةٍ تَجِلُّ عَنِ الكَلاَلِِ
إنّه يستعين على الهموم بالارتحال على ناقة قويّة، سريعة، لا يعتريها الوهن(2).
د- الإبعاد:
كان الإبعاد عن القبيلة وسيلة مُتَّبَعة لترويض الخارجين على القيم القبلية المتعارف عليها، أو لتجنيب القبيلة تَبِعَة الجرائر التي يرتبكها شرّارها. وقد مَرّ بنا قول الحُصين بن الحُمام المريّ يخاطب رجلاً من قومه(3):
فإنْ كُنْتَ عنْ أخلاقِ قَوْمِكَ رَاغباً ... فَعُذْ بِضُبَيْعٍ أو بِعَوْفِ بنِ أَصْرَما
إنها دعوة صريحة إلى الالتزام بأخلاق الجماعة أو الارتحال عنها إلى غيرها؛ فقد أفردت طرفةَ عشيرتُهُ لأنه استهتر بقيمها، إفراد البعير المعبد، وأجبرته على الارتحال عنها (4)، وكذلك أكره بنو ضُبَيعة ابنهم الشاعر عمرو بن قميئة على الابتعاد عنهم، ومن شعره الدّال على ذلك قوله (5):
عَلَى أنَّ قومي أَشْقَذوني فَأصْبَحَتْ ... دِيَارِي بأرضٍٍ غَيْرِ دَانٍ نُبُوحُها
(1) شرح ديوان لبيد ص 75. والخُلَّة: الصديق، يستوي فيه التذكير والتأنيث. وحبالها: مواصلتها. وتجلّ: تعظم.
(2) - لقد ألح لبيد على فكرة الارتحال لتناسي الهموم انظر شرح ديوانه ص 247-248،303، وانظر مثل ذلك في ديوانه بشر ص 99-105.
(3) شرح اختيارات المفضل 1/341.
(4) انظر ديوان طرفة ص 31،87، والغربة في الشعر الجاهلي ص 152-155.
(5) ديوان عمرو بن قميئة ص 19. وأشقذوني: طردوني وابعدوني. وقد ابعد عمرو لاتهامه ظلماً بمحاولة إغواء زوج عمه (انظر مقدمة ديوان عمرو بن قميئة ص 30-35).