ولا يستبعد أن يكون ارتياد عمرو لتلك الأماكن له هدف آخر غير الاستمتاع بالشراب، فربَّما كان تاجراً، أو رائداً لقومه؛ وقد يجتمع أكثر من سبب للارتحال ؛ فالأعشى يرحل لاستجداء الأموال بمدائحه، ورغبة في الاستمتاع بمباهج الحياة، ويدلّ على ذلك قوله حين آب من تطوافه إلى موطنه في اليمامة بين مهراس ومارد(1):
أَجِدَّكَ وَدَّعْتَ الصِّبا والولائِدَا ... وأصبحتَ بعدَ الجَوْرِ فيهنَّ قاصِدا
وما خِلْتُ أن ابتاعَ جَهْلاً بِحِكْمَةٍ ... وما خِلْتُ مِهراساً بلادي ومارِدَا
لقد كان في اثناء تجواله ماجناً تستهويه الجواري والقيان، وتجذبه مجالس الشراب والغناء.
ومن الارتحال بحثاً عن مباهج الحياة اللحاق بالحبيبة، ومن أخبار الجاهيلين المشهورة تَرَحُّلُ مُرَقّش الأكبر من أرض العراق إلى اليمن ليرى ابنة عمه أسماء، وفي ذلك يقول طرفة بن العبد (2):
تَرَحَّلَ مِنْ أَرْضِ العِراقِ مُرَقِّشٌ ... عَلَى طَرَبٍ تَهْوي سِراعاً رَواحِلُهْ
إلى السَّرْو، أرضٌ ساقَةُ نَحْوَهَا الهوى ... ولم يَدْرِ أن الموتَ بالسَّرْوِ غَائِلُهْ
ويشبه ذلك الارتحال لملاقاة الأصحاب كقول زهير (3):
تأَوَّ بني ذِكْرُ الأَحِبَّةَ بَعْدَ ما ... هَجَعْتُ وَدُوني قُلَّةُ الحَزْنِ فالرَّمْلُ
فَأَقْسَمْتُ جَهْداً بالمنازِلِ من مِنىً ... وما سُحِقَتْ فيه المَقَادِمُ والقَمْلُ
لأَرْتَحِلَنْ بالفَجْرِ ثُمَّ لأَدْأَبَنْ ... إلى الليلِ إلآّ أن يُعَرِّجَنِي طِفْلُ
(1) - شرح ديوان الأعشى ص 97. والولائد: الجواري. والجور: الميل عن القصد، الاستقامة.
(2) ديوان طرفة ص 122. والطرب : الخفّة. والسّرو: سرو حِمْير ،وهناك مات مُرَقّش. وغائله: مهلكه.
(3) شعر زهير ص 28-29. وتأوّبني: أتاني مع الليل. وسحقت: حُلِقَت. والمقادم: جمع مُقَدَّم الرأس. والقمل: أراد الشعرر الذي فيه القمل. يعرّجني طِفل: تلقي ناقتي ولدها فتحبسني وأقيم عليها.