وهو سبب رئيس لارتحال الأفراد من مكان إلى آخر طلباً للمال الذي تُسترخص الأرواح في سبيل الحصول عليه في اعتقاد عروة بن الورد حيث يقول (1):
فَسِرْ في بلادِ اللّهِ والتمسِ الغِنَى ... تَعِشْ ذا يَسَارٍ أو تموتَ فَتُعْذَرا
والتماس الغنى بعيداً عن الوطن يكون بغزو الأغنياء وانتهاب أموالهم، وقد اشتهر بذلك عروة بن الورد، وغيره من الصعاليك(2)، ويكون باستجداء أصحاب الأموال من ملوك العرب وساداتهم، وقد اشتهر بذلك شعراء المديح، ومنهم أوس بن حجر الذي يقول (3)
ولما رَأَيْتُ العُدْمَ قَيَّدَ نائلي ... وَأَمْلَقَ ماعندي خُطوبٌ تَنَبَّلُ
فَقَرَّبْتُ حُرْجرجاً وَمَجَّدْتُ مَعْشَراً ... تَخَيَّرْتُهُمْ فيما أَطوفُ وَأَسْأَلُ
بني مالكٍ أعني بسّعْدِ بنِ مالكٍ ... أَعُمُّ بِخَيْرٍ صالحٍ وَأُخَلَّلُ
والنابغة الذي يقول معتذراً إلى النعمان ملك الحيرة لارتحاله إلى الغساسنة(4):
ولكِنَّنني كُنْتُ امرءاً لي جَانِبٌ ... مِنَ الأَرْضِ فيه مُسْتَرَادٌ ومذهَبُ
مُلُوكٌ وأَقْوامُ إذا ما لَقِيتُهُمْ ... أُحَكَّمُ في أَمَوَاِلهِمْ وَأُقُرَّبُ
والأعشى الذي عرف بكثرة تطوافه مُستجدياً بشعره، وقد عبّر عن كثرة ارتحاله بقوله(5):
(1) ديوان عروة ص89. وانظر مثل ذلك في معجم الشعراء ص 481. ولعلّ من المفيد أن يشار إلى أن التماس الغنى لم يكن حبّا بالمال، بل رغبة في الحياة الحرّة الكريمة، وفي الاقتدار على مساعدة المحتاجين، ولنا عودة إلى ذلك في الفصل الرابع من هذه الدراسة.
(2) - الأشعار الدالة على ذلك كثيرة. انظر مثلاً ديوان عروة ص 74و 115- 116، وديوان الشنفرى ص 35-36.
(3) -ديوان أوس ص94-95 وتَنَبَّل: تأخذ الأنبل فالأنبل من مالي. والحرجوج: الناقة الجسيمة الطويلة. وأُخَلّل: أخصّ.
(4) - ديوان النابغة الذبياني ص 77.
(5) - شرح ديوان الأعشى ص 309. وسراتها: متنها. والمِرْحَل: القوي من الجمال.