والدفاع عن المكان ليس مقاومة للراغبين في احتلاله أو الانتجاع فيه دفعاً لراغبين في نهب الأموال، واسترقاق السكان، واستباحة الأعراض. ومن الألفاظ الجامعة بل قد يكون لما يجب حماييته من مال وأهل وحَشَم وحَوْزة- لفظة الذّمار، وقد افتخر الجاهليون بحماية الذمار،بمثل قول عمرو ببن كلثوم :" ونوجدُ نَحنُ أمنعَهُم ذِمَاراً" (1)،وعظَّموا كلّ " من يحمي الذمار ويمنع" (2)، فالدفاع عن الموطن هو دفاع عن الأرواح والأموال والكرامة والاستقلال.
إن الاعتداد بالمكان والدفاع عنه يؤكدان أن انتماء الإنسان الجاهلي إلى مكان استقراره هو انتماء واعٍ وعميق؛ فهو ليس انتماء إلى مجال طبيعي فحسب، ولكنه انتماء إلى مجال جغرافيّ (3)؛ فالمكان والناس الذين يتفاعلون فوقه وحدةٌ متكاملة، ينتمي إليها الإنسان، ومن الشعر المعبّر عن ذلك قول ابن أمّ مكتوم القرشي (4):
ياحَبّذا مَكّةُ من وادي ... أرضٌ بها أهلي وعُوّادي
أرضٌ بها تَرْسَخُ أوتادي ... أرضٌ بها أَمْشي بلا هادي
إنّ الاستقرار حالة متقدمة في تاريخ القبائل العربية، إذ به تنتقل القبائل من مرحلة التشرذم والشتات إلى مرحلة التوحد والاستقرار بفعل مؤثرات موضوعية، ينتجها تفاعل الناس فوق الأرض التي يستقرّون عليها؛ فذلك التفاعل يصنع تاريخاً مشتركاً، فيه مشكلات مشتركة تحتاج إلى حلول، لاتتوافر إلاّ في ظلال توحيد الجهود والأهداف.
(1) انظر ديوان عمرو بن كلثوم ص 92.
(2) انظر ديوان كعب بن مالك ص 227. وثمة اشعار تدل على اقتران الترحيل بالنهب والسبي. انظر معجم البلدان: (حانِق).
(3) - يولد المجال الجغرافي من إسقاط منظومة اجتماعية ثقافية على منظومة بيئية. انظر إيزنار- هيلدبرت، 1980م، المدى الجغرافي، ترجمة علي الخشّ، وزارة الثقافة، دمشق، ص 110.
(4) - معجم البلدان: (مكة).