وقوله يهجو رجلاً:" فدونَكَ أَدْرِكْ ما ازدَهَوْا من فِنائكا" (1). ويشبه ذلك افتخار الأقوياء بترحيل الضعفاء إلى غير مواطنهم الأصلية(2). ومن الملاحظ أن شعر الافتخار والامتداح بحماية الأوطان أكثر شيوعاً من شعر الهجاء بالعجز عن حمايتها، وهذا يعني أن الشائع في الجاهلية هو الدفاع عن الأوطان، وأن الصراعات كانت كثيرة وقاسية من أجل تملك الأمكنة، ولاسيما الأمكنة الخصيبة، والمناسبة لحياة الإنسان والحيوان، فالأماكن الخصيبة أكثر عرضةً لأطماع الغزاة، ومن الشعر الموحي بذلك قول بشر ابن أبي خازم يخاطب قوماً(3):
فإنّ الجِزْعَ جِزْعَ عُرَيِتْناتٍ ... وَبُرْقَةَ عَيْهَلٍٍ منكُمْ حَرامُ
سَنَمْنَعُها وإنْ كانَتْ بلاداً ... بها تَرْبُو الخواصِرُ والسَّنَامُ
ومثل ذلك قصيدة لأوس بن حجر ذكر فيها أن الله أنزل غيثاً في غير أوانه، فأمرعت الأرض، وأحاطت القبائل بقومه من كلّ جانب تريد استئصالهم لترتعي مراعيهم، ولكن قومه صمدوا للطامعين، ومن تلك القصيدة قوله (4):
تَكَنَّفَنا الأعداءُ مِنْ كلِّ جانِبٍ ... لِيَنْتَزِعُوا عَرْقَاتِنَا ثُمَّ يَرْتَعُوا
فما جَبُنُوا أنّا نسُدُّ عَلَيْهِمُ ... ولكِنْ لَقُوا ناراً تَحَسُّ وتَسْفَعُ
(1) المصدر السابق ص 231. وفي شرح أشعار الهذليين 2/603 هجاء لبني فهم لهربهم من ديارهم. وانظر مثل ذلك في ديوان حسان ص 250.
(2) سيرد ذلك مفصلاً في أثناء الحديث عن ارتحال الجماعات بعد قليل.
(3) - ديوان بشر ص 207-208.
(4) ديوان أوس ص57. العرقاة: أصل كلّ شيء. وتُحَسُّ: تستأصل. وتُسْفَعُ: تُلْفح وجوههم.