ومن المفيد الإشارة هاهنا إلى أن حرمة المراعي على غير أهلها لم تكن مطلقة؛ فثمة نُظُم وأعراف تسمح لأصحاب الحاجات أن ينزلوا في مراعي غيرهم كالجوار والحلف، وقد عبّر عن ذلك خداش بن زهير إذ قال مفتخراً بقومه(1):
إذا ماأصابَ الغَيْثُ لم يَرْعَ غَيْثَهُمْ ... مِنَ النَّاسِ إلاّ مُحْرِمٌ أو مُكافِلُ
ويستطيع الراغب في الاسستقصاء أن يقف على شعر كثير في الدفاع عن الأمكنة المستوطنة، وفيه يبرز حرص الجاهلي عليها، واستعداده للتضحية دفاعاً عنها، وتعظيمه لمنزلة من يدافع عن الحمى، ويصونها من الأعداء(2).
وفي مقابل تعظيم الدفاع عن الأوطان نلحظ ذمَّ المتخاذلين عن حماية مواطنهم، ومن الشعر الدالّ على ذلك لبيد يُبَكّتُ بعض بني عامر (3):
أَجِدَّكُمُ لم تَمْنَعُوا الدَّهْرَ تَلْعَةً ... كما مَنَعَتْ عُرْضَ الحِجَازِِ مُبَشِّرُ
(1) أشعار العامرين الجاهلين ص41. والمحرم: المسالم. والمكافل: المعاقد والمحالف.؟ وقد يقع مكان مابين حَيّين متعادين، فهذا يحميه، وهذذا يحميه، فلا يقربه أيّ منهما خوفاً من الآخر، فيغدو المكان منطقة خصبة محايدة بينهما. انظر ديوان امرئ القيس ص36-37.
(2) انظر مثلاً أوس ص 57، وديوان الحطيئة ص 244، وديوان الخنساء، ص 129، وديوان طرفة ص 155، وديوان عمرو بن كلثوم ص 92، وديوان قيسس ص 138، وشعر زهيير ص 273، وديوان عمرو بن قميئة ص12، وشعرر عمرو بن شأس ص 102، وشرح ديوان الحماسة 2/517،577، والعقد الفريد 5/144، ومعجم الشعراء ص 585، وديوان الحطيئة ص225-226؛ ومعجم البلدان: (الطائف).
(3) شرح ديوان لبيد ص 225. وفيه ص 226:"ومن أمثال العرب: فلان لايمنع ذنب تلعة، أي هو ذليل حقير".