إن تفاعل الإنسان الجاهلي مع موطنه فيه تاثر وتأثير متبادلان، ولقد تبين لنا آنفاً أثر الجاهلي في مكان إقامته، ولنا عودة إلى أثر المكان في سكانه. والتأثر والتأثير، وهما نتاج علاقة جدلية، جعلا ارتباط الجاهلي المستقر بأرضه ارتباطا عضوياً، وَلّدَ شعوراً بعمق الانتماء إلى المكان (الوطن)، فالجاهلي ينتسب إلى مكان استقراره، ويتدخل في طبيعته تدخلاً يمنحه القدرة على التحرر من بعض قيود المكان التي تعوق استقراره وتطوره، وتلك العلاقة العضوية دفعت الجاهلي إلى الاعتداد بموطنه، وإلى الدفاع عنه(1).
***
5- الاعتداد بالمكان والدفاع عنه
كان الجاهلي يفتخر بصلاح موطنه لتوفير سبل الحياة الرغيدة، ومن ذلك قول الخنساء تذكر خصبَ الأثْمِ، وهو قُرَيَّات ثلاث أو أربع، وصلاحَهُ للسكن(2):
إذْ نحنُ بالأَتْمِ تَرْعَاهُ ويُعْجبُنا ... جَوْنٌ خَصِيبُ به تَسْتأنِسُ السُّرَبُ
(1) إن نزعات تعلق الجاهلي بموطنه أقل أهمية في سلم التطور الاجتماعي من ظاهرة استحداث مجتمعات إقليمية، كأهل اليمن وأهل نجد، وأهل الحجاز وأهل العراق، وأهل الشام؛ فالتطور الأساس في المجتمعات ((لم يكن استحداث نزعة التعلق بإقليم مُعيّن في المجتمع، وإنما استحداث المجتمع بوصفه إقليماً)). .(مونتاغيو- أشلي، 1982م، البدائية، ترجمة د جابر العصفور، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ص295.).
(2) ديوان الخنساء ص177. وجونٌ: تريد مرعي خصيباً، يضرب لون نباته إلى السواد من شدة الخضرة والسُرب: الجماعات من الناس والخيل والإبل.