لنا حاضرُ لم يَحْضُرِ الناسُ مِثْلَهُ ... وبادٍ إذا عَدُّوا علينا البَواديا
ومن حاضر بني أسد (مخروب) وهو مكان حافل بالمزارع المروية بدليل قول عبيد بن الابرص يتذكر أهله(1):
تَذَكّرْتُهُمُ ما إنْ تَجِِفُّ مدامعي ... كأنْ جَدْوَلٌ يَسْقي مزارعَ مَخْرُوبِ
ولذلك يمكن الادعاء بأنّ الإنسان الجاهلي بذل جهوداً منظمة في مواطن كثيرة استهدفت الاستقرار الدائم بها باستثمارها في مجالي الزراعة والبناء. والجهد الإنساني الجاهلي المبذول لتطوير أماكن استقرار الجاهليين لا يقتصر على الزراعة والبناء، بل يتعداهما إلى الصناعة اللازمة لتلبية متَطلّبات الجاهلي من ثياب وطعام وشراب وسلاح، ولما كان للمهن والحرف حَيّز خاص في هذه الدارسة فسوف أعرض عن ذكر الشواهد الشعرية الدالة على تنوع المهن والحرف التي طور بها الجاهلي مكان استقراره، وأكتفى ها هنا بما يدل على وجود الزراعة والنباء والصناعة معاً في المكان الذي يَستقّر فيه الجاهلي، ومن تلك الأمكنة مدينة (الهَجَر)، وهي قاعدة البحرين، وقيل : ناحية البحرين كلها هَجَرُ(2)،وفي الشعرِ الجاهلي ما يدل على وجود الزراعة فيها، ومن ذلك قول عوف بن عطية(3):
يَشُقُّ الحَزابيَّ سُلاّفنا ... كما شَقّق الهاجِريُّ الدِّبَارا
وعلىوجود البناء، ومن ذلك قول لبيد(4):
كَعَقْرِ الهاجِرِيَّ إذا ابتناهُ ... بأشباهٍ حُذينَ عَلَى مِثَال
(1) ديوان عبيد ص25.
(2) معجم البلدان: (الهجَر)، وفيه : ((الهجَر بلغة حِمير والعرب العاربة القرية)).
(3) شرح اختيارات المفضل 3/1668. والحزابِيّ : جمع حِزباءة، وهي الأر ضم الغليظة، وسلافنا: أوائل جيشنا. والدبار : الأرض التي تزرع.
(4) شرح ديوان لبيد ص76. والعقر: القصر. وأراد بأشباه: اللبن والأجر، واراد بمثال :قالب اللبن. وفي البيت إشارة إلى صناعة اللبن اللازمة للبناء.