ويُشبه ذلك قولُ السموءلِ يذكر أثرالإنسان في المكان(1):
بنى لي عَادِيا حِصناً- حصيناً ... وَعَيْنا كُلما شِئْتُ اسْتَقَيْتُ
طِمِرّاً تَزْلَقُ العِقْبَانُ عَنْهُ ... إذا ما ضامَنِي شَيءٌ أَبَيْتُ
ولقد ثبتت فائدة تلك الحصون في درء الخطر عن أصحابها حين يدهمهم عدوٌ خطر يعجزون عن مواجتهه؛ فالآطام هي التي درأت الخطر عن النساء في قول قيس بن الخطيم يخاطب الخزرج(2):
فَلَوْلاَ ذُرَى الآطامِ قَدْ تَعْلَمُونهُ ... وَتَرْكُ الفضا، شُورِكتمُ في الكواعبِ
والجهد الإنساني المنظم لتطوير المكان زراعة وبناء لا يقتصر على ما اشتهر من الحواضر القروية في ارجاء الجزيرة العربية، بل يكاد يوجد في كلّ مكان عاش فيه الإنسان الجاهلي، فَثَمْة قبائل عرفتة بيداوتها، ولكن الشعراء اشاروا إلى وجود البناء في منازلهم، ومنها غطفان، وعن منازلها قال الحطيئة(3):
نُقاتِلُ عَنْ قُرَى غَطَفانَ لمّا ... خَشِينا انْ تَذِلَّ وأنْ تُباحا
ومن المعروف أن قبائل كثيرة لم تستوطن الحواضر القروية، ولكنها كانت تُقسم بحسب وجودها المكاني إلى قسمين: المتباعدين عن المياه، وهم البادون؛ والمقيمين قرب المياه، وهم الخُضَّار والشعر الدال على هذه القسمة كثير، ومنه قول سَلَمَة بن الخُرْشُب الأنماري(4):
فإنَّ بَني ذُبيانَ حَيتُ عَهِدْتُمُ ... بِجِزْع البَتيلِ بَينَ بادٍ وحاضِرِِ
وقول عمرو بن شأس الأسدي(5):
(1) ديوان السموءل ص15. والطمر : المشرف المرتفع. انظر فخر راشد بن شهاب اليشكري ببناء حصن منيع بثاج، وهي من قرى البحرين في 0شرح اختيارات 3/1323). وثمة أشعار في بناء آطام في نجران ويثرب وغيرهما انظر مثلاً معجم البلدان: (أُطُم الأضبط)و(الطائف).
(2) ديوان قيس ص93.
(3) ديوان الحطيئة ص 257.
(4) شرح اختيارات المفضل 1/165.
(5) شعر عمرو بن شأس ص109. وانظر مثل ذلك في شرح ديوان الأعشى ص183.