ولكن جهد الإنسان الجاهلي لم يكن كافيا لاستنبات ما يحتاجه من الأرض، فتوسّل بالدعاء طلبا للسقيا كي تنمو زروعه، وتخصب مراعيه، وكان يخص بالدعاء أرض قومه، وموطن حبيبته،ومثوى الراحلين من أحبته. ولقد مدح أبوطالب سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله(1):
وأبيضَ يُسْتُسْقى الغَمَامُ بوجْهه ... ثِمَالُ التيامي عِصْمةُ للأراملِ
وهذا يعني أن الجاهلي يستخدم خبراته ومعارفه الطبيعية وما فوق الطبيعية من أجل التفاعل مع المكان تفاعلاً يحرره من قيود القحط، ويمنحه القدرة على الاستقرار بالمكان استقرار يحفظ له البقاء، ويُيَسِّر له سبل التطور.
ومن التفاعل بين الإنسان موطنه اتخاذ الأبنية، فهي تمنح أصحابها مساكن مريحة، وحصوناً منيعة، فأهالي يثرب- في شعر حسان- شيدوا في النخيل حُصُوناً، ودجَّنُوا الأنعمام، واستعانوا بها للسقاية، فكان عيشهم لذلك رَخِياً هَنِيّاً(2).وافتخر أحيحة بن الجُلاح بأنه شاد حصناً منيعاً شامخاً، تَهّيأت له فيه إمكانية الخلاص من مجاورة اللئام والأنذال والدخلاء(3) ويظهر من شعر أحيحة بن الجلاح أنه كان مغرماً ببناء الحصون، ومستعداً لانفاق أمواله على بنائها، حرصاً على سلامته وسلامة أهله، فهو القائل(4):
بنيتُ بَعْدَ مُسْتَظلٍّ ضَاحِيا
بنيتُهُ بِعُصْبَةٍ مِنْ ماليا
أخشى رُكَيْباً أو رُجَيْلاً عاديا
(1) ديوان أبي طالب ص106. وقد أكثر الشعراء من الدعاء للمكان بالسقيا. انظر مثلاً ديوان عروة ص56، وديوان عمرو بن قميئة ص94، والأغاني 22/271، وشرح أشعار الهذليين 2/589، وقصائد جاهلية نادرة ص172.
(2) انظر شعر حسان ص138. وافتخر قيس بن الخطيم (ديوانه ص118-119) بأن لقومه حصوناً ومزارع نخل جيدة الثمر. ومثل ذلك كعب بن مالك (ديوانه ص187).
(3) انظر جمهرة أشعار العرب ص256.
(4) الأغاني 15/47. والرُّكيب: مصغر رَكْب، وهم الجماعة الرّاكبون، والرّجَيْل: مصغر رَجْل، وهم الجماعة الراجلون.