إنّه يشبه تحدر الدموع بتحدر ماء البئر عن دلو تستقي به ناقة جُرشية، وقد فصل الشاعر في أمر تلك السقاية، فأظهر الجهد الإنساني المنظم من أجل سقاية المزروعات، فالمياه تصل إلى المزرعة (الجربة) بعد سلسلة أعمال تبدأ بحفر البئر، والسقاية (الدّبار) وامتلاك الدلو العظيمة (الغَرْب) والحبل المفتول على أربع قوى (المربوع) والبكرة (المحالة)، والحديد اللازم لها(الخُطّاف)، والقوة اللازمة لاستخراج الماء، وهي ناقة جُرَشية مُسِنة (عَوْد).
ومن تفاعل الإنسان مع المكان حراثة الأرض الزراعية، ومن الشعر الدال على ذلك قول عوف بن عطية التيمي(1)
يشُقُ الحزابيَّ سُلاّفنُا ... كما شَقَّقَ الهاجِريّ الدِّبارا
فأوائل الجيش تؤثر خيولهم في الأرض الصلبة أثر الهاجري بمسحاته في الأرض. ومن تفاعل الإنسان المنظم مع المكان في مجال الزراعة غرسُ النخل(2)، وتأبيره (تلقيحه) (3)، وزراعة الحبوب(4).
(1) شرح اختيارات المفضل 3/1668. والسلاف: أوائل الجيش. والحزابي: جمع حزباءة، وهي الأرض الغليظة الصلبة. والهاجري: رجل من هجر. والدبار ها هنا: البقعة التي تزرع.
(2) فخر سعد القرقرة بخبرة قومه في زراعة النخل. انظر شعره في ديوان قيس ص236.
(3) ثمة أشعار يذكر فيها تاثير النخل في مظان كثيرة. انظر مثلاً شرح ديوان الحماسة 1/204-205، وديوان طرفة ص63، ومعجم ما استعجم 1/328و2/471.
(4) انظر ديوان تأبط شراً ص177.