إن تفاعل المستوطنين في مكان مالا يقتصر على علاقاتهم الإنسانية المشتركة، بل يتعداها إلى المكان نفسه؛ فالمستوطن يتفاعل مع مكان استيطانه، فيؤثر فيه، ويتأثر به، وذلك لأن إقامة الإنسان في مكان ماتدفعه إلى العمل على تملك ذلك المكان تملكاً يسهل عليه سبل الحياة الأفضل، وذلك بامتلاك الوعي بما يحتاج إليه، والإرادة اللازمة للفعل، والقدرة على ذلك الفعل؛ فندرة المياه في مكة- مثلاً - تعوق استمرار حياة الناس فيهان وتعوق تطورهم، وكان وعي سكانها لذلك سببا في حفر الآبار، فقد حفر بنو عبد الدار(أمَّ أحراد) وحفر بنو هاشم (بَذّر). وفي (أم أحراد) قالت أميمة بنت عميلة العبد ربة (1):
نحن حفرنا البحر أمَّ أحْرَادِ ... لَيْسَتْ كبَذر البرورِ الْجمَادِ
فأجابتها ضَرتها صفية بنت عبد المطلب الهاشمية:
نحنُ حَفَرْنا بَدرْ ... نَسْقِي الحجيجَ الأكبرْ
منْ مُقْبِلٍٍ وَمُدْبِرْ ... وأم أحرادَ شَرّْ
وافتخر كعب بن الاشرف بامتلاك بئر غزيرة، قريبة المنال يستقي الناس منها، وذلك في قوله(2):
ولنا بئر رَوَاءُ جَمّةُ ... مَنْ يَردْها بإناءٍ يغترفْ
تُدْلِجُ الجُوْنُ على أكنافِها ... بدِلاءٍ ذاتٍ أمراسٍ صُدُفْ
ومن الشعر الدّال على جهد الإنسان المنظم الهادف إلى استثمار الطبيعة قول بشر بن أبي خازم يصف دموع المحبّ(3):
تَحَدُّرَ ماء البئر عنْ جُرَشِيَّة ... عَلَى جربةٍ تَعْلو الدِّبار غُرُوبُها
بغَربٍ وَمَرْبُوعٍ وعَوْدٍ تُقِيمُهُ ... مَحَالةُ خُطْافٍ تَصِرُّ ثُقُوبُها
(1) السهيلي، 1968 الرجوع للأصل لوجود نقص كبير ص164
(2) الأغاني 22/135-136. ورواء : غزيرة. والجون :الإبل السوداء. وأكنافها: نواحيها وصُدُف: تظهرُ وتختفي.
(3) ديوان بشر ص14 والجربة: المزرعة. والدِّبار : السواقي بين المزارع. وأراد بغُربها: مياهها. وانظر مثل ذلك في ديوان حسان ص 275.