إنه يفخر بقدم استيطان قومه، وبأثرهم في منازلهم. وإذا كان مالك وعُبيد، وهما من البداة، قد فخرا بقدم المواطنة فأحر بأن يفخر بذلك أبناء القرى، ومنهم أبو طالب في قوله(1):
فَمَنْ يَنْشَ مَنْ حُضَّارِِ مَكّة عِزُّهُ ... فَعِزَّتُنا في بَطْنٍ مَّكةَ أَتْلَدُ
نَشأنا بها والناسُ فيها قلائِلُ ... فَلَمْ تَنْفكِكْ تَزْدَادُ خيْراً وَنُحْمدُ
إنه يفخر بقدم المواطنة، وبالتاريخ المشترك، فقد نشأ قومه في مكة، وتطورت حياتهم فيها تطوراً جلب لها الخير، ولنا الحمد، ومن ذلك الحمد قول حسان عن بني قصّي بن كلاب(2):
وَهُمْ أَعْطَوا منازلَها قُريشاً ... بمكةَ، وَهْيَ ليس لها نِظامُ
ومن الفخر بالتاريخ المشترك في المكان قول قيس بن الخطيم (3):
فَمَا الأسْدُ باللاتي الغَرِيفُ مَقِيلُها ... ولكنَّ أُسْدَ الغابِ حافَةَ ذي الجّدْرِ
بنُو خطْمَةَ الأبطالُ إِنّهُمُ بها ... غُذُوا، وعليها يَنْشَأونَ يَدَ الدَّهْرَ
إن رهطه، سكان ذي الجدر، وهو موضع قرب يثرب، لهم تاريخ مشترك في ذلك المكان، إن به غذما، وعليه سيستمر وجودهم أبداً.
4- تطوير أماكن الاستقرار
إن تفاعل الجاهلي في موطنه أوجد علاقات وطيدة بين المتفاعلين، إذ فيه تتوحد همومهم وأفراحهم وآملهم، لأنهم واجهوا ظرفا طبيعيا واحداً، يتطلب جهوداً مشتركة للتغلب على عوائق البقاء والتطور. والتقارب المكاني أوجد الانتماء إلى المكان وكان سببا في وجود انتماءات أخرى مهمة، تعبر عن تطور المجتمع وهو ينفلت من اسار عصبية الانتماء إلى النسب الأبويّ. ومن تلك الانتماءات الجوار، والحلف، ولنا عودة إليهما في مواضع لاحقة من هذه الدراسة.
(2) ديوان حسان ص97.
(3) ديوان قيس ص231. والغريف: الأجمة، والشجر الملتفّ.