تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وافتخر عمر بن شأس بفوارس قومه؛ فهم متأهبون لخوض المعارك: وهم ((متقارب أطناب دورهم))(1) وعبر عمرو بن معد يكرب عن وعي أصيل بأهمية القرب المكاني في العلاقات الإنسانية إذ قال:

أمَّا العتابُ فلا عتابُ ... لا قُرْبُ دارٍ ولا نِسَابُ

إنّ عمراً يستبعد العتاب من دائرة علاقاته الإنسانية إلا مع الأقرباء مكاناً أونسباً، وبذلك يكون الانتماء المكاني في وعي عمرو بن معد يكرب بمنزلة الانتماء النسبي.

إن التقارب المكاني عامل مهمّ((في تشكيل مجموعة موحدة (ومن المفترض)أن الناس المجاورين لبعضهم في المكان هم قريبون من بعضهم بشكل عام))(2)؛فتفاعل مجموعة سكانية فوق مكان ما يعني تاريخا مشتركاً يرتبط بذلك المكان ويوحدّها، ولذلك يمكن أن يقال بأنّ اعتداد جماعة سكانية بقدم استيطانها هو تعبير عن وجود رابطة تاريخية مشتركة، ومن الشعر الدال على ذلك قول مالك بن خالد الهذلي يخاطب مالك بن عوف النّصري حين غزا هذيلاً (3):

أَ‍لَمْ تَرَ أَنا أَهْلُ سَوْداءَ جَوْنَةٍ ... وَأَهْلُ حِجَابٍ ذِي حِجَازٍٍ وَمَوْقِرِِ

به قَاتَلَتْ آباوُنَا قَبْلَ ما تَرَى ... مُلُوكَ بني عَادٍ وأقْوالَ حِمْيَرِ

إنه يذكر قِدَمَ امتلاك قومه للمكان وتضحياتهم دفاعاً عنه، ومثل ذلك قول عبيد بن الأبرص(4):

ولنا دارُ وَرِثْنا عِزَّها الـ ... أَقْدِمَ القُدْمُوسَ عَنْ عَمٍّ وخَالِ

مَنْزِلُ دَمَّنهُ آباؤُنا الـ ... مُورِثُونَ المْجدَ في أُوْلَى الليالي

(1) شعر عمرو بن شأس ص42.

(2) علم النفس الضمني262.

(3) شرح أشعار الهذليين 1/454. والحجاب: ما غلظ وارتفع من الحرّة. والحجاز الذي احتجز عن الناس بالصخور. والموقر: السهل أسفل الجبل، تكون به وقرات، أي آثار.

(4) ديوان عبيد ص118. والقدموس: القديم. ودَمَّنَهُ آباؤنا: أثّروا فيه.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٢٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٢٣٤