وتباعد الأقارب مكانيا قد يقطع الصلة بين الأصول والفروع(1). وقد مَرّ بنا أن بني مُرّة يرجعون إلى لؤي بن غالب القرشي، وأنهم لصقاء ذبيان، وكان البعد المكاني سببا رئيساً في تداعي رابطة نسبهم الأبوي إلى قريش، وقد تُلَمّس ذلك الحارث بن ظالم المري حين رفضت قريش جواره. فقال (2):
ألا لَسْتُمُ مِنّا ولا نحنُ منكُمُ ... بَرئنا إليكمْ مِنْ لْؤَيّ بن غالبِ
غَدَوْنا على نَشْزِ الحجازِ وَأَنْتُمُ ... بِمُنْشَعِبِ البطْحَاءٍِ بينَ الأخَاشِبِ
لقد أعلن الحارث براءة بني مُرّة من الانتساب إلى لؤي بن غالب، ثم جاء بالدليل المادي على ذلك، وهو التباعد المكاني، فبنو مرّة مقيمون على نشز الحجاز، وبنو لؤي بمنشعب البطحاء بمكة. واشترط ربيعة بن مَقْرُوم الضبي للأخوة الحق شروطاً أوّلَها تقارب الدار، وفي ذلك يقول(3):
أخُوكَ أخُوكَ مَنْ يَدنُو وتَرْجُو ... مَوَدَّتهُ وإِنْ دُعِيَ استجابَا
إذا حارَبْتَ حَارَبَ مَنْ تُعَادِي ... وزادَ سَلاَحُهُ مِنْكَ اقْتِرابَا
والقرابة الأبوية تتوج بالتقارب المكاني، فيه تتوحد القوى، ويقوى الانتماء، وفي ذلك يقول المَثلم بن رِيَاح المرّي مظهراً عبطته باجتماع قومه(4):
لَفَفْنا البيوتِ فَأَصبحُوا ... بني عمِّنا، مَنْ يَرْمِنَا يَرْمِنَا مَعَا
(1) انظر تربية الإنسان ص256. وفيه(( الإقامة المشتركة حيوية لبقاء العائلة المشتركة على شكل وحدة حقيقة وظيفية، وإذا ما انتقل قسم من العائلة إلى مكان آخر فسرعان ما ينفصل ذلك القسم عن الوحدة التعاونية)).
(2) العقد الفريد 5/149.
(3) شرح ديوان الحماسة 2/542-543.
(4) المصدر السابق 1/384. ومن الجدير بالذكر أنّ توحد القوى بالتقارب المكاني وفّر للجاهلي الأمان في موطنه، وبين أقاربه، ثمة أشعار كثيرة تدل على ذلك. انظر مثلا أشعار العامريين الجاهليين ص70، وديوان شعر حاتم ص187، 234، وديوان بشر ص21.