إن قرار جماعة إنسانية في مكان ما، والتفاعل فوقه تفاعلاً إنسانياً ممّا يقوي أواصر التقارب بين أفراداها، فالبعد المكاني يضعف العلاقات الإنسانية بين المتباعدين، والقرب المكاني يسهم في تمتينها. ولقد عَبّر الجاهلي عن إدراكه لأثر العلاقة المكانية في انتماء بعض الناس إلى بعضهم في صور متعددة، منها يقطع الصلة بين الأحبة، وفي ذلك يقول قيس بن الخطيم(1):
بَلُ لَيْتَ أَهلي أَثْلَةَ في ... دارٍ قَريبٍ مِنْ حَيْثُ تَخْتَلِفُ
أَيْهاتَ مَنْ أَهْلُهُ بِيَثْربَ قَدْ ... أَمْسَى وَمَنْ دونَ أَهْلِهِ سَرِفُ
فالبعد المكاني لا يسمح بالتواصل بين الحبيبين، ولذلك تَمَنَّى قيس أن تكون داره قريباً من دارها. وتباعد الأقارب مكانيا قد يحول دون تناصرهم، وإن كانت قلوبهم مفعمة بالوداد، وفي ذلك يقول حُجْر بن خالد الضُّبعي مخاطبا أبناء عمومته (2):
فَلَوْ أَنّا شَهِدْناكُمْ نَصَرْنَا ... بذي لَجَبٍ أَزَبَّ مِنَ العَوَالِي
وَلكِنا نَأَيْنا، واكُتَفيْتُمْ ... ولا يَنْأى الحَفِيُّ عَنِ السُّؤَالِ
(1) ديوان قيس ص113. وأثلة: اسم امرأة. وسرف : موضع قريب من مكة. وانظر مثل ذلك في ديوان بشر ص161، وشرح ديوان عنترةص 153، وشرح ديوان كعب ص209.
(2) شرح ديوان الحماسة 2/519. وذو لجب أزبّ من العوالي: جيش له صوت أزبّ (كثير) من كثرة الرماح فيه.